الايثار التفاعلي والايثار الاستسلامي: ايهما نختار وكيف؟

اكتشف أستاذ الفلسفة في جامعة “أكسفورد” توبي أورد أن جزءا من المال الذي يكسبه من عمله الأكاديمي قد يكفي لشفاء ثمانين ألفا من العميان في أماكن فقيرة من العالم، ويبقى لديه ما يكفيه ليعيش حياة لائقة؛ فقام بتأسيس جمعية خيرية تقوم فكرتها على التبرع بـ10% من الدخل لمحاربة الفقر في العالم، كما قرر أن يعيش بـ18 ألف جنيه إسترليني في السنة، ويؤثر الفقراء على نفسه بما يزيد على هذا المبلغ، بالرغم من أنه متزوج وعليه رهن عقاري.

لم يجد توبي الشعور بالرضا في مجرد كونه ناجحا يعيش حياة مستقرة وأخلاقية على المستوى الشخصي، لكنه وجده في إيثار الآخرين على نفسه، وما يحققه له من سلام داخلي.

ما فعله توبي أورد هو ما يسمى بـ”الإيثار الفعال”، فهناك فرق بين إبداء التعاطف وبين الإيثار، فالأول هو مجرد شعور بالقلب، أما الثاني فهو شعور يصعد من القلب ليتحول إلى فعل.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن للإيثار أو “السلوك الإيثاري” حدودا إذا تجاوزها فقد يتحول إلى نوع من “الاستسلام الإيثاري” المدمر.

الإيثار
الإيثار هو سلوك مناقض للأنانية يمارسه الإنسان بكامل وعيه، كعملية ناضجة ومثمرة وتلقائية ذات أبعاد عاطفية اجتماعية. وهناك أمثلة كثيرة في حياتنا اليومية لوصف سلوك الإيثار المتمثل في مساعدة الآخر والتعامل معه باحترام دون انتظار لرد الجميل.

والمجتمعات المتقدمة تركز على سلوك الإيثار كمعيار لتقييم الإنسان في مختلف مراحل حياته، فعندما يتقدم بأوراقه للجامعة مثلا، يتوجب عليه أن يقدم ما حققه من سلوك إيثاري ضمن سيرته الشخصية.

ويفسر استشاري الأمراض النفسية بالمملكة المتحدة الدكتور سداد جواد التميمي، دوافع السلوك الإيثاري وفقا لنظريتين، هما:

1- الإقدام على الإيثار بدافع من مشاعر التعاطف التلقائي تجاه الآخرين، ودون مؤثرات خارجية.

2- الاندفاع للإيثار تحت ضغط مشاعر مؤلمة، كأن يرى صورا للفقراء والمرضى وضحايا الحروب والمجاعات، تحزنه وتؤلمه، فيلجأ للسلوك الإيثاري في محاولة للتخلص من ذلك.

العوامل المؤثرة في الإيثار
وفقا لدراسة في تنمية السلوك الإيثاري، أعدتها أستاذة علم النفس المساعد في الجامعة العمالية بالقاهرة الدكتورة سحر عبد الغني عبود، فإن هناك عوامل مؤثرة في الإيثار، منها:

– الفروق بين الجنسين، حيث إن السلوك الإيثاري لدى الإناث داخل الأسرة أكثر منه عند الذكور.

– المرحلة العمرية، فالسلوك الإيثاري عند الأطفال أكثر، ووجود أشقاء لهم يسهم في تطوير الإيثار.

– سمات الشخصية وثقافتها، إذ تتحكم ثقافة الفرد في أفعاله، وبالتالي في سلوكه الإيثاري.

– تأثير الوالدين، فالعلاقات الدافئة وقيم الارتباط والمودة لها علاقة بتنمية الإيثار لدى الأطفال، وقد أثبتت الدراسات أن الآباء الذين يتطوعون لأعمال الخير، يكون أبناؤهم ذوي طبيعة تطوعية أيضا.

– تأثير الإعلام من خلال عرض برامج ذات تأثيرات إيجابية تساعد على زيادة الإيثار لدى الأطفال.

– تأثير البيئة المدرسية من حيث تشجيع الطلاب على المشاركة في الأنشطة الاجتماعية الإيثارية.

الإيثار وحده حلّ مشاكل العالم
في الوقت الذي أنفق فيه الأميركيون وحدهم 333 مليار دولار على الطعام عام 2012، كان العالم يحتاج إلى 195 مليار دولار لينجو من الفقر. علما بأن 50 بنسا تكفي لعلاج طفل من بين 200 مليون طفل مصاب بالبلهارسيا حول العالم، وتحسين صحته وتحصيله الدراسي. كما يكفي 70 جنيها إسترلينيا (قيمة ثلاث وجبات) لتعليم هذا الطفل الأفريقي الفقير لمدة 150 شهرا.

لذا فإن فعالية الإيثار الإنساني ستصل إلى مستوى مذهل إذا أعطى 10% من أغنياء العالم 10% من دخلهم (ما يعادل 4 تريليونات دولار في السنة) لفقراء العالم، لأن هذا يعني القضاء التام على الفقر في كوكبنا لمدة عقدين من الزمان، وفقا لبيث بارنز الباحثة بجامعة كامبريدج.

الإيثار يخفف آلام البشرية
سألت منظمة غالوب لاستطلاع الرأي الناس في 135 دولة، عما إذا كانوا قد تبرعوا بأي أموال لعمل الخير، أو ساعدوا شخصا غريبا. فأشارت النتائج إلى أن ما يقرب من ثلث سكان العالم يقومون بعمل من أعمال الإيثار مرة واحدة على الأقل شهريا.

يقول أستاذ أخلاق الطب الحيوي في جامعة “برينستون” بيتر سينجر إن هناك أدلة أكثر موضوعية على الإيثار تدعم هذه النتائج، ففي العديد من البلدان يعتمد الإمداد بالدم للأغراض الطبية على تبرعات طوعية من مجهولين.

وفي مختلف أنحاء العالم سجل أكثر من 11 مليون إنسان أسماءهم ليتبرعوا بنخاع عظامهم لغرباء. وقد ذهب عدد من الناس إلى ما هو أبعد من هذا فتبرعوا بإحدى كُلاهم لآخرين لا يعرفونهم.

ويضيف سنجر أن دراسات عديدة أثبتت أن الأسخياء من الناس أكثر سعادة وشعورا بالرضا عن حياتهم، حيث يؤدي الإيثار إلى ارتفاع النشاط في مراكز الإثابة في الدماغ (تلك المراكز التي يحفزها الطعام الشهي والجماع).

الاستسلام الإيثاري
هناك من يسخر حياته لرعاية أطفاله أو والديه أو حتى أقربائه، لكنه ينتبه كذلك إلى احتياجاته الخاصة، وهذا هو الإيثار المتوازن. أما “الاستسلام الإيثاري” فهو وفقا للدكتور جواد التميمي: استسلام الإنسان إيثاريا وتخليه عن طموحاته وتوقيفه لعملية تطوره الذاتي لإرضاء الآخرين. ومن أمثلته:

– تعرض الابن في سن مبكرة لابتزاز عاطفي من الوالدين أو العائلة، بتسخيره لخدمتهم تلقائيا.

– أن يسخر الإنسان نفسه لخدمة أطفاله أو عائلته أو غيرهم، للتخلص من أزمة نفسية تلازمه بصورة مزمنة، وهذا هو الاستسلام المدمر.

وهذه الحالات هي الأكثر ملاحظة في الطب النفسي، حيث يتجه الفرد فيها تدريجيا إلى عدم إدراك ذاته وطموحاته فيستسلم لمن يرعاه كليا.

المصدر| الجزيرة نت

موضوعات تهمك:

السوريون وعزيمة الاستمرار!

قد يعجبك ايضا