الانتخابات الفلسطينية والحرب الاهلية

قيادي بالجهاد المصالحة شائكة ونأمل رفع إسرائيل وأمريكا يدها عن القرار الفلسطيني

بقلم: وليد عبد الحي

ثلاثة مراحل انتخابية فلسطينية خلال العام الحالي 2021 تم التخطيط لها في شهور 5( المجلس التشريعي) و7( الرئاسة) و8 ( المجلس الوطني الفلسطيني) ، ولعل المرحلة الاولى( المجلس التشريعي) هي الأهم من الجانب الاجرائي، إذ ان فشلها او تعثرها لأي سبب كان سيلقي بظلاله على المرحلتين اللاحقتين.
لكن التمعن في تفاصيل البنية السياسية الفلسطينية القائمة حاليا ، يدفعني لوضع فرضية محددة وهي أن هذه الانتخابات هي ” حق يراد به باطل”، وهذا الباطل هو وبشكل محدد ” حرب اهلية فلسطينية” تدمر ما تبقى من مؤسسات سياسية فلسطينية ذات دلالة تاريخية .

وتقوم فرضيتي على الشواهد التالية:

أولا: من السذاجة افتراض ان اسرائيل أولا وبعض القوى الاقليمية ثانيا ستترك هذه الانتخابات تجري بشكل يعبر عن الارادة العامة الفلسطينية بخاصة إذا انتهت لنتائج غير محبذة من هذه الاطراف كما جرى في الانتخابات الاولى، فمن الجانب الاسرائيلي يجب الاقرار بأن أجهزة الامن الاسرائيلية متغلغلة وبشكل عميق جدا في أجهزة السلطة كافة ، فإسرائيل التي تتجسس على الجزائر ومصر وتونس والسودان وايران والعراق وسوريا ولبنان وتنفذ فيها عمليات أمنية حساسة ، هل ستترك سلطة ” وطنية ” فلسطينية في الضفة الغربية تجلس في حجرها وترضع من ثديها ؟ واسرائيل التي نفذت عشرات عمليات الاغتيال في قطاع غزة هل ستقبل بسلطة أحد اذرعها مقاومة وطنية مسلحة ؟ وكيف سيتم تنظيم الانتخابات في اراض الضفة الغربية بينما تسيطر اسرائيل عمليا من ناحية ووفق اوسلو من ناحية ثانية على 86% من الاراضي التي ستجري فيها الانتخابات؟

من الضروري ان نتنبه الى أن التنسيق الامني(الذي عادت له السلطة بمجرد اعلان فوز بايدن) يعطي اسرائيل قنوات تسلل الى كل مفاصل الانتخابات، فمفهوم الامن في الادبيات الاسرائيلية لا يقتصر على ” المفهوم الكلاسيكي أي العمل المسلح) بل اصبح أوسع ليشمل كل ما يطوي في مضمونه تهديد الامن الاسرائيلي، ونجاح قوى ” تعتبرها اسرائيل تهديدا امنيا” هو امر غير مقبول باي شكل من الاشكال، وما حدث في الانتخابات الأولى من حرب اهلية فلسطينية يصعب التوهم بان اسرائيل لم تكن احد ابرز محركات تلك المأساة ، ويكفي العودة لتقارير احد اهم مراكز الدراسات الاسرائيلية والقريبة من نيتنياهو عن حرص اسرائيل على فوز ” فتح وبقاء عباس في السلطة” و ” ضرورة تفحص التداعيات عبر القنوات الامنية والحلفاء”.

وسأعطي مثالا توضيحيا : بسبب الوضع الخاص للقدس وفي ظل قانون الاقامة للمواطن الفلسطيني، فان امام الفلسطيني في القدس طريقان للتصويت فإما ان يغادر للتصويت الى مناطق مجاورة ( وهو ما يمكن ان تبرمجه اسرائيل بطريقة او اخرى) او ان يتم التصويت الكترونيا ( وهنا كيف نضمن عدم التدخل الاسرائيلي بتطورها التقني في النتائج إذا كانت الانتخابات الامريكية ذاتها ما تزال في دائرة الشك بتدخل الكتروني فيها )؟

ثانيا: ثمة مشكلة عميقة في البنية الفلسطينية، ففتح التي تحظى بقبول دولي تحولت لتنظيم ينخره الصراع الداخلي بين اجنحتها من ناحية ، وتشوه صورتها في الذهن الشعبي الفلسطيني من ناحية ثانية، فهي قوية دوليا وضعيفة داخليا، بينما حركة حماس على العكس من ذلك ، فهي الاقوى داخليا ، لكنها الاضعف دوليا من منظور المؤسسات الدولية ، وهو ما يعني ان التنظيمين يشبهان طائرين كل منهما مكسور احد جناحيه..فلا يستطيع أي منهما الطيران ولا حتى تشكيل سرب صغير. ويبدو ان حماس تتوهم بانها من خلال الانتخابات ستستثمر فوزها لرتق الفتق الدولي في شرعيتها امام المؤسسات الدولية ، بينما فتح تتوهم ان شرعيتها الدولية ستغذي هزالها الداخلي.

ثالثا: هناك اشارات عن احتمال ان تتقدم فتح وحماس بقائمة مشتركة، وهنا ينفجر السؤال الأهم وهو ما هو البرنامج الانتخابي الذي ستقدمه هذه القائمة المشتركة لتنافس فيه القوائم الاخرى؟ هل هو برنامج مقاومة او مساومة ؟ والجمع بين البرنامجين أمر يفقد الطرفين مصداقيتهما امام الناخب وامام المجتمع الدولي.

رابعا: ماذا لو كانت نسبة المشاركة في الانتخابات متدنية؟ لا سيما ان التنظيمات السياسية فقدت قدرا كبيرا من القها السابق، الى جانب وجود تنظيمات فلسطينية وازنة (كالجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية..الخ) لن تشارك وبالتالي قد يكون ذلك دعوة ضمنية لمؤيديها لمقاطعة الانتخابات.، وفي حالة تدني نسبة المشاركة فان ذلك يعني زعزعة الشرعية الداخلية والخارجية للتنظيم الفائز، فاذا اضفنا لذلك ان قرار رئيس السلطة بانشاء محكمة ادارية يعني توسيع دائرة صلاحياته لتشمل حل المجلس التشريعي او الغاء الانتخابات او الغاء النتائج ، فان ذلك يوصلنا لرهن نتائج القرار برغباته.

خامسا: لقد اقدم رئيس السلطة على خطوتين متضاربتين : الأولى اعادة التنسيق الامني والقبول بالعودة للتفاوض من ناحية والخطوة الثانية هي العمل على المصالحة والتوفيق مع حماس، وكل من الخطوتين يتناقض تماما مع الأخرى، وهنا أرى انه يريد ” إغواء” حماس لجرها لقبول شروط الرباعية( الاعتراف باسرائيل ونبذ المقاومة المسلحة والقبول باتفاقيات منظمة التحرير)، وهو يعول في ذلك على ” غوايات الادارة الامريكية الجديدة ، اضافة لاستثمار الظروف الاقتصادية والجائحة الوبائية في غزة الى جانب اتساع رقعة التطبيع العربي مع اسرائيل وفقدان حماس لقاعدتها السورية).

سادسا: لنفترض أن الانتخابات انتهت الى احدى النتائج الثلاثة التالية:

أ‌- الاحتمال الاول:أن تفوز حماس: هل ستقبل فتح الهزيمة في ظل جهاز تنسيق أمني ضخم ، ورفض اسرائيلي للنتيجة ، وكيف ستدير “إدارة حماس الفائزة” العلاقة مع اسرائيل بخاصة في الضفة الغربية، وكيف ستتعامل حماس مع عشرات آلاف رجال الأمن المنخرطين في التنسيق الامني، وكيف ستطرد وباءهم من الجسد الفلسطيني، هذا يقتضي اعتقالهم او وضعهم تحت المراقبة ، وهو ما سيفتح على حماس نيران الاضطراب وبمساعدة اسرائيلية . والاهم من ذلك ، كيف ستدير حماس ” الفائزة” علاقتها مع الجهاد الاسلامي والجبهة الشعبية وبقية المقاطعين للانتخابات وما ينتج عنها.

ب‌- الاحتمال الثاني ان تفوز فتح، فهل ستضع حماس سلاحها بإمرة أجهزة أوسلو؟ وهل سيستمر التنسيق الامني؟ فاذا استمر كيف ستتعامل مع أي عمليات تقوم بها منظمات المقاومة حتى لو كان ذلك ردا على عمليات اسرائيلية؟

ت‌- ان تكون حكومة وحدة وطنية او قائمة مشتركة، فما هو برنامج حكومة ” الاخوة الاعداء”؟
كل ما سبق ينتهي عند نقطة محددة وهي: الصدام من جديد أو ان تغير حماس استراتيجيتها لأن السلطة لا تملك الانتقال لصفوف المقاومة …وكلا الخيارين الاول والثاني كارثة كاملة.

* د. وليد عبد الحي أكاديمي وباحث في الدراسات المستقبلية.

موضوعات تهمك:

لا تتشاءموا كثيرًا
قد يعجبك ايضا