«الإجهاض» معركة أمريكية باسم حماية الدين

أصبح حق الإجهاض أهم قضية عاكسة لدور التعاليم الدينية في الحياة العامة والخاصة للأمريكيين.
شجعت تغيرات شهدها تشكيل المحكمة العليا (الدستورية) نحو غلبة التيار المحافظ 16 ولاية على فرض قيود جديدة على الإجهاض.
دفع تسريب لوثيقة مسربة من المحكمة العليا حول الإجهاض لتجديد حرب أمريكا الثقافية حول إحدى أهم قضايا المجتمع ما يظهر عُمق الانقسام المجتمعي حول هذه القضية.
أصبحت كفة المحكمة العليا المكونة من تسعة قضاة تميل لصالح التيار المحافظ فهناك اليوم 6 قضاة محافظين و3 قضاة ليبراليين، مما يهدد قوانين أمريكية كحق الإجهاض والحقوق المدنية..

* * *

بقلم: محمد المنشاوي
تأسست الولايات المتحدة خلال الربع الأخير من القرن الثامن عشر متبنية دستورا علمانيا بامتياز، وتنص الفقرة السادسة من الدستور على أنه ليس من الوارد إجراء اختبار دينى لأى شخص يرغب فى شغل أى وظيفة حكومية.
وبعد سنوات تم تبنى أول تعديل في الدستور الأمريكي للتأكيد على عدم قيام الكونغرس بأي حال من الأحوال بسن تشريع قائم على أساس ديني. ورغم ذلك كان هوى أمريكا ومنذ بدايتها بروتستانتيا مسيحيا بلا جدال.
إلا أن ذلك لم يوحد آراء المسيحيات والمسيحيين الأمريكيين تجاه قضية حق الإجهاض، وأصبحت أهم قضية عاكسة لدور التعاليم الدينية فى الحياة العامة والخاصة للأمريكيين.
* * *
دفع تسريب حصلت عليه صحيفة بوليتيكو لمسودة مبدئية مسربة حول قضية الإجهاض، إلى تجديد حرب أمريكا الثقافية حول إحدى أهم القضايا المجتمعية التي تظهر عُمق الانقسام المجتمعي الأمريكى حول هذه القضية الحساسة.
كتب الوثيقة القاضي المحافظ صامويل أليتو فى العاشر من فبراير الماضى وجاءت فى 98 صفحة، وأهم ما تضمنته الوثيقة قول القاضي أليتو إنه «يجب إلغاء حكم قضية رو ضد وايد»، وهو الحكم الذي شرّع وضمن حق الإجهاض على مدى 50 عاما.
وشجعت التغيرات التى شهدها تشكيل المحكمة العليا (الدستورية) 16 ولاية على فرض قيود جديدة على الإجهاض. من ناحيتها أقدمت ولايات ميسيسبى وتكساس وأوكلاهوما وألاباما على تجريم الإجهاض عن طريق تمرير مشروع قانون لحظر إجراء الإجهاض في جميع الحالات تقريبا، حتى الحالات التي تنتج عن الاغتصاب أو سفاح القربى.
ويأمل المؤيدون ممن يتوقعون عدم تمرير هذه القوانين أن يتم عرضها للاستئناف أمام المحكمة العليا أملا في قرار تاريخي جديد حول هذه القضية المهمة لقواعدهم الانتخابية.
* * *
كانت أبرز معارك الرئيس السابق دونالد ترامب التي انتصر فيها باستخدام سلاح الدين معركة تعيين ثلاثة قضاة في المحكمة الدستورية العليا هم نيل غورستش وبريت كافانو وإيمى كونى باريت. ويُعرف عن الثلاثة أنهم محافظون اجتماعيا وملتزمون دينيا.
وتتكون المحكمة العليا (الدستورية) من تسعة قضاة، يخدمون فيها مدى الحياة وذلك عقب اختيارهم من رئيس الدولة وتثبيت مجلس الشيوخ لهم بأغلبية 60 صوتا.
وفى حال حدوث فراغ إما لوفاة القاضي أو تنحيه عن العمل لأسباب خاصة به، يختار الرئيس الأمريكي قاضيا جديدا. ولا تملك أي جهة أن تنهى عمل أي قاضٍ بالمحكمة العليا، وهو ما يضمن حريته وعدم وجود أي ضغوط عليه، بما يؤدى إلى توازن متوقع بين السلطات.
وتستمد المحكمة الدستورية العليا أهميتها من كونها هي الحكم الذي يفصل في النهاية فى الخلافات بين الولايات والحكومة الفيدرالية، أو في القضايا الشائكة الهامة وتصدر أحكامها فى قضايا كبرى مثل الإجهاض وحكم الإعدام وحقوق الناخبين وسياسات الهجرة وزواج المثليين.
وتتخذ المحكمة قراراتها بأغلبية الأصوات، وخلال العقود الأخيرة أصبحت القرارات المصيرية للمحكمة تتخذ بأغلبية خمسة أصوات مقابل أربعة وهو ما يعكس استقطابا حادا فى الحياة السياسية الأمريكية.
وأصبحت كفة المحكمة العليا المكونة من تسعة قضاة تميل لصالح القوى المحافظة، فهناك اليوم 6 قضاة محافظين و3 قضاة ليبراليين، وهو ما قد يهدد قوانين أمريكية تقدمية مثل حق الإجهاض وزواج المثليين.
في الوقت الذي تضمن فيه تركيبة المحكمة العليا الحالية حماية واسعة لحق حمل السلاح حتى المتقدم منها (أسلحة أوتوماتيكية ونصف أوتوماتيكية) وذلك على الرغم من ارتفاع وتيرة حوادث القتل الجماعي داخل المدارس وخارجها.
* * *
قبل نصف قرن، أقرت المحكمة العليا عام 1973 الحق فى الإجهاض فى قضية تعرف باسم «رو ضد ويد». حيث أقرت المحكمة آنذاك أن الإجهاض شأن شخصي لا يحق للدولة التدخل فيه شريطة أن يحصل ذلك قبل حلول الأسبوع الرابع والعشرين من الحمل.
ومنذ حصول النساء الأمريكيات على دستورية حق الإجهاض، تم تقديم عدد من الطعون على هذا القانون، قوبلت كلها بالرفض حتى الآن. فقط تم إدخال العديد من القوانين المنظمة لحكم المحكمة بتقنين الإجهاض، إلا أننا على ما يبدو سنشهد معركة متجددة خلال أسابيع.
تقول أغلبية 59% من البالغين في الولايات المتحدة إن الإجهاض يجب أن يكون قانونيا فى جميع الحالات أو معظمها، فى حين يعتقد 39% أن الإجهاض يجب أن يكون غير قانوني في جميع الحالات أو معظمها.
ويؤمن التيار الشعبي الواسع المؤيد للسياسات المحافظة المتشددة اجتماعيا أن هناك صحوة دينية داخل أمريكا يصاحبها دعوات لدور متنامٍ للدين (المسيحية) في المجتمع، وهو ما يمثل انعكاسا أو صدى لأفكار فريق كبير من الشعب الأمريكي الذى يقطن أغلبه المناطق الريفية أو الجنوب الأمريكي.
ويرى كثير من الفقهاء القانونيين المحافظين أن نصوص الدستور الأمريكي لا تعكس أيا من حق الحياة أو حق الاختيار فيما يخص الإجهاض. وعليه، لا يتوجب على المحكمة العليا اختيار جانب واحد على حساب الآخر في أكثر القضايا الخلافية جدلا فى الحياة الاجتماعية الأمريكية.
وبعد عقود شهدت كثيرا من الإخفاقات للتيار المحافظ الداعي لوضع قيود على حق الإجهاض، بدأت تتبلور معالم تغيير بهذا الاتجاه في الولايات المتحدة خلال السنوات القليلة الماضية، وهو ما سيؤدى إلى إلغاء القانون الفيدرالي المتعلق بالإجهاض ليعود مرة أخرى ليتبع قوانين كل ولاية على حدة، وهو ما يزيد من عمق الانقسام المجتمعي، وحدة الحروب الثقافية داخل أمريكا.
* محمد المنشاوي كاتب صحفي في الشؤون الأمريكية من واشنطن
المصدر: الشروق – القاهرة

موضوعات تهمك:

الإجهاض وحقوق السود

قد يعجبك ايضا