الأردن: «انتبه» أنت «متهم»

محمود زين الدين6 مايو 2022آخر تحديث :
الأردن

توثق سجلات الرصد الرسمي كل إيحاء أو كلمة أو رأي أو سلوك يصنف ضد الاتجاه لكنها لا توثق إطلاقا ما هو عكس ذلك في أي لحظة.
إذا شاء حظك العاثر أن تكتب رأيك أو تعلق على الأحداث أو حتى تقدم فكرة عنها تمشي وفي حضنك مجموعة من القنابل اليدوية وتدوس على لغم هنا أو هناك!
المجسات الأمنية تلتقط “السلبي” من وجهة نظر السلطة بأي نشاط عام أو شخصي لكن الملفات والقيود لا تلتقطك وأنت بحالة “إيجابية” من أي صنف وفقا لتفسير السلطة للإيجابية.
* * *

بقلم: بسام البدارين
الكتابة أو النشر أو حتى التعليق والتحليل عن الحالة الأردنية تماما أشبه هذه الأيام بالكتابة على لحم يحترق. لا زلت أذكر ذلك المشهد الدرامي المثير جدا الذي يحمل نفس تلك العبارة ويتحدث عن صراع الأحرف على الورق.
إذا أردت لأي سبب أو شاء حظك العاثر أن تكتب رأيك أو تعلق على الأحداث أو حتى تقدم فكرة عنها تمشي وفي حضنك مجموعة من القنابل اليدوية. وتدوس على لغم هنا أو هناك إذا كنت أردنيا بطبيعة الحال حيث علبة الاتهامات الموسمية بكل أصنافها البائسة تلطم كل أجزاء روحك وجسدك وتاريخك، وهي تفسرك أو تحاول تعليبك عندما تقرؤك بطريقة تناسب زواياها الضيقة.
لا يتعلق الأمر بالنوم على فراش ملغوم أو قابل للانفجار في أي لحظة فقط بل باضطرارك لأسباب لا يعلمها إلا الله، وأحيانا بعض المؤسسات الرسمية وغالبا معلقون يفترض أنهم يحملون صفة مواطن بسيط للسبات والحلم والنوم والاستيقاظ مع تلك الألغام.
لا يفرق تحديدا الحراكيون والمعارضون على المنصات بين موقفك ورأيك أو بين التحليل الذي تقترحه لمسار الأحداث، فتقرأ كل الكلمات بنفس المسطرة، لأن المطلوب من أي كاتب أو صحافي هنا هو فقط وحصريا، ترديد النغمات التي تقترحها أوركسترا الجماهير التي يدعي البعض أنهم يمثلونها بكل الأحوال .
ببساطة عندما يسلخك قارئ ما باسم الحراك والشعب والمعارضة، في سياق التصنيف والإتهام وأحيانا التكفير والتخوين، تبدأ السلطة بعسسها وتصنيفاتها بالغرق بين الأحرف وبناء الأوهام من جهتها، وعلى طريقة تهافت التهافت والاسترسال في تحليل التحليل، والربط بين التحليل ووجبة منسف في مكان ما أو بينه وبين شخص ما.
يذهلني صديق من أحد كبار أعضاء مجلس النواب، وهو يلاحظ جزئية لم ننتبه لها جميعا طوال الوقت، فكرتها أن المجسات الأمنية تحديدا تلتقط فقط ما هو سلبي من وجهة نظر السلطة طبعا في أي نشاط عام أو حتى شخصي، لكن الملفات والقيود لا تلتقطك وأنت في حالة إيجابية من أي صنف وفقا لتفسير السلطة أيضا لتلك الإيجابية.
مفارقة مهمة ومثيرة بنفس الوقت فيها قدر كبير من تضليل الذات والمؤسسة وطبعا غياب العدالة، فالموضوعية البيروقراطية تقتضي مثلا أن توثق كل اللحظات الإيجابية والسلبية عند أي شخص يشتبك مع الإيقاع العام، بينما تحكم السلطة وأذرعها ومؤسساتها على أي ناشط أو صاحب رأي أو حتى مواطن صالح استنادا إلى تلك اللحظات التي كان فيها سلبيا وفقا للمواصفات والمقاييس المرنة المطاطة.
توثق سجلات الرصد الرسمي كل إيحاء أو كلمة أو رأي أو سلوك يصنف ضد الاتجاه لكنها لا توثق إطلاقا ما هو عكس ذلك في أي لحظة.
نعم تلك مفارقة غريبة عند إخضاعها لمهنة الكتابة والنشر تعيد تذكيرنا بالدراما العظيمة لكاتبنا الكبير الدكتور وليد سيف عندما يتعلق الأمر بالكتابة على لحم يحترق.
مؤخرا نقلت للناس ما قاله رئيس مجلس الأعيان واجتهدت في ربط الأحداث مع بعضها فعالجني بعضهم بتلك الشتائم المألوفة والتي لا تسلم منها أحيانا عظام جدتي في قبرها رحمها الله. وعبثا حاولت إفهام القوم بأنني أنشر ما قاله رئيس مجلس الملك ولا أتبنى ما يقوله لكن لا أحد يريد الإصغاء فاللحم يحرق الرواية دوما.
تهمة التسحيج تحديدا استهلكت حتى أصبحت فجة جدا، وتلقى هكذا لا على التعيين حتى عندما يتعلق الأمر بنقل الوقائع دون التدخل فيها. يصل السخف بصراحة إلى مستويات غير مسبوقة أحيانا خصوصا على منصات الأردنيين الاجتماعية من كثرة استخدام تهمة التسحيج بمناسبة أو غيرها.
أما العسس العاملون مع السلطة فلديهم أيضا بصراحة تسطح في مواقع التقييم وطريقة مختلفة في التصنيف والإتهام والتحريض والإقصاء والحرمان من جنة ونعيم السلطة، في ثمن يعرف من يشتبك مسبقا أنه سيدفعه أو في طريقه لدفعه.
أسلوب السلطة وأدعياء الوظيفة واضح والإيذاء هنا ملموس ولا مؤامرات أو دسائس في الأقنية والظلام. وهنا تبرز المفارقة الثانية عندما يتعلق الأمر بالكتابة واللحم المحترق، فالسلطة أذكى من الناس وهي تستهدف من لا يعجبها أو ما لا يعجبها من أصحاب الرأي، ومن يشتبكون مع الإيقاع العام والاستهداف هنا مثل المتسوق الخفي تشعر به يلكزك، لكنه غامض وشبح وبلا آثار أقدام أو بصمات، خلافا لأن الإقصاء والإبعاد كلفة مقدور عليها عندما تكتب أو حتى تحترق كتابة وعندما تتجاوز الخط الأحمر تملك السلطة تلك الأدوات التي تحيلك عبرها إلى غبار في أقبية.
لكن الناس لا يرحمون خلافا لأنهم أحيانا لا يفهمون على الأقل ما تقترحه أو تقترفه.
باختصار ومن الآخر عندما يشاء حظك العاثر أن تحترف الكتابة والتعليق يحترق لحمك وبأكثر من شكل وتتحول إلى سيخ شاورما بالمعنى الحرفي أحيانا عند الناس واحيانا أخرى عند السلطة.
* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني
المصدر: القدس العربي

موضوعات تهمك:

الأردن.. وصعوبة استعادة ثقة الرأي العام

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة