احتلال بلا تكلفة لا يمكن أن ينتهي

واقع الحال أن «السلطة الفلسطينية» التي تأسست سنة 1994 بموجب اتفاق أوسلو كانت مجرد فخ وقع فيه الفلسطينيون.

إسرائيل نجحت في الحفاظ على الاحتلال مع التخلص من أعبائه فأصبحت تحتل الأراضي الفلسطينية ولا تدفع أي ثمن لهذا الاحتلال.

لم يسبق في التاريخ أن انسحب احتلال من دون أي مقاومة ومن دون أن يصبح ذلك الاحتلال مكلفاً له. هذه سنة بشرية لا تتبدل ولا تتغير!

الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن ينسحب أو يقدم تنازلات في ظل أوضاعه الراهنة فالاحتلال يرتع بأراضي الضفة الغربية دون دفع أي تكلفة لهذا الاحتلال.

انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية أو ضمها إلى الأردن أو وضعها تحت حماية دولية أو عربية أو تأسيس اتحاد كونفدرالي بين فلسطين والأردن مجرد أوهام.

يستمر الاحتلال بلا تكلفة بفضل السلطة الفلسطينية فلا هي دولة تحكم الفلسطينيين ولا تترك الشعب يشتبك مع الاحتلال اشتباكاً مباشراً ويُكبده تكلفة هذا الاحتلال.

* * *

بقلم: محمد عايش

في الأردن يثور جدل واسع منذ شهور بشأن «الهوية الوطنية» وهو جدل سرعان ما تحول إلى حديث عن سيناريوهات الحل لقضية فلسطين، باعتبار أن نسبة كبيرة من الأردنيين تعود أصولهم إلى فلسطين، فيما تطور الحديث أيضاً عن مخاوف من أن يتم ضم الضفة الغربية إلى الأردن، بصيغة أو بأخرى، والعودة إلى ما قبل «فك الارتباط» الذي أعلنه الملك حسين سنة 1988.

الحديث عن انسحاب إسرائيلي من الضفة الغربية، أو ضمها إلى الأردن أو وضعها تحت حماية دولية أو عربية، أو تأسيس اتحاد كونفدرالي بين فلسطين والأردن، كل هذه مجرد أوهام لا يُمكن أن تتحقق في ظل الظروف الراهنة!

والسبب هو أن الاحتلال الإسرائيلي لا يمكن أن ينسحب، أو يقدم أي تنازلات في ظل الأوضاع الراهنة، إذ أن الاحتلال يرتع في أراضي الضفة الغربية، من دون أن يدفع أي تكلفة لهذا الاحتلال.

جزء كبير من الأزمة التي تعيشها قضية فلسطين، هو أن الاحتلال الإسرائيلي نجح في تغيير واقع الضفة الغربية، بما جعل احتلالها غير مكلف، بل وصل إلى درجة أنه «احتلال ديلوكس» أو «احتلال فاخر» أو «احتلال خمس نجوم»!

فالجندي أو المستوطن الإسرائيلي يتنقل من مدينة إلى أخرى، ومن قرية إلى ثانية في الضفة الغربية، فلا يدفع ثمناً لهذا الاحتلال، ولا يوجد ما يُهدد وجوده، وهذا يعني أنه من المستحيل أن يُفكر الاحتلال بالانسحاب أو تقديم أي تنازلات.

ما يحدث في الضفة الغربية منذ سنوات، هو أن إسرائيل نجحت في الحفاظ على الاحتلال مع التخلص من أعبائه، فأصبحت تحتل الأراضي الفلسطينية، ولا تدفع أي ثمن لهذا الاحتلال، لا على المستوى السياسي ولا الاقتصادي ولا الأمني.

ومن المعروف أنها نجحت في ذلك بفضل وجود السلطة الفلسطينية، التي لا هي دولة تحكم الفلسطينيين، ولا هي تترك هذا الشعب يشتبك مع الاحتلال اشتباكاً مباشراً ويُكبده تكلفة هذا الاحتلال.
بموجب اتفاقات جنيف الأربعة فإن إسرائيل كدولة احتلال ملزمة بتقديم الخدمات الإنسانية الأساسية للسكان

الذين يعيشون تحت احتلالها، بما فيها خدمات الرعاية الطبية والمدنية والإنسانية، لكنّ هذا لا يحدث في الأراضي الفلسطينية.

وهذه حالة فريدة على مرّ التاريخ؛ إذ تقوم السلطة الفلسطينية بالاعتماد على أموال الدول المانحة من أجل تأمين هذه الخدمات، كما أن الأسوأ من ذلك هو أن السلطة تقوم بتأمين الخدمات الأمنية، التي كانت تُرهق الاحتلال وتستنزف إمكاناته في الضفة الغربية سابقاً.

واقع الحال هو أن «السلطة الفلسطينية» التي تأسست سنة 1994 بموجب اتفاق أوسلو، كانت مجرد فخ وقع فيه الفلسطينيون، وهذا ما تحدث عنه الراحل ياسر عرفات للكثيرين، عندما كان محاصراً داخل المقاطعة.
فلا السلطة تحولت إلى دولة، ولا اتفاق أوسلو الذي كان مرحلياً ومؤقتاً تحول إلى اتفاق نهائي، ولا الاسرائيليون والأمريكيون وفوا بما وعدوا به، بل نكثوا العهد والميثاق، وحولوا «السلطة الفلسطينية» إلى مجرد جهاز للحكم الذاتي في مدن فلسطينية تحاصرها المستوطنات، ويفصلها الجيش الاسرائيلي عن بعضها بحواجزه العسكرية.

القاعدة الأساس على مرّ الزمان والمكان هي، أن الاحتلال لا ينتهي إلا عندما يُصبح مكلفاً لصاحبه، والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة، فالإسرائيليون أنفسهم انسحبوا من غزة عام 2005 عندما أصبح وجودهم هناك أكثر كلفة من الفوائد التي يجنونها، وحدث الأمرُ ذاته في العام ألفين عندما انسحبوا من جنوب لبنان دون قيد أو شرط، ودون أي اتفاق مع أحد، وإنما تحت ضربات حزب الله الذي جعل من وجودهم في الجنوب أكثر كلفة من الانسحاب.

على الفلسطينيين أن لا يتوقعوا أو يتأملوا بأن الاحتلال سوف ينسحب من الضفة الغربية، ما لم يتغير واقع الحال فيها، والمقصود بالتغيير هو العودة إلى الاشتباك المباشر المكلف مع الاحتلال، والكف عن توفير «احتلال فاخر» للإسرائيليين في الضفة.

إذ لم يسبق في التاريخ أن انسحب احتلال من مكان ما من دون أي مقاومة ومن دون أن يصبح ذلك الاحتلال مكلفاً له. هذه سنة بشرية لا تتبدل ولا تتغير.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني

المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

لندن تحارب التطبيع مع “إسرائيل”

قد يعجبك ايضا