أيّ نظام دوليّ بعد الحرب الأوكرانية؟

يبدو أنَّ نظام العقوبات سيرتد سلباً على أصحابه من حيث تراجع هيمنة الدولار وتراجع نفوذ الغرب وصعود الآليات الصينية الموازية.
يصبح نظام ما بعد الحرب مكوّناً من كتلتين؛ كتلة غربية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وأخرى شرقية – أوراسية تقودها الصين.
تشير دراسة أعدها الدكتور غراهام أليسون، ونشرتها “هارفرد”، إلى أنَّ العملة الصينية ستصبح عملة عالمية، نظراً إلى حجم الاقتصاد الصيني وتطوّره.
يفرض الغرب العقوبات بهدف تأليب الشارع الروسي ضد بوتين، وتشجيع الداخل على إطاحته وانهيار اقتصاد روسيا ووقف العملية العسكرية الروسية بسبب الإفلاس.
الخطأ الّذي ارتكبه الروس هو ترك ما يوازي 45% تقريباً من الاحتياطيات النقدية في البنوك المركزية الأجنبية بفرنسا، واليابان، وألمانيا، وأميركا، وبريطانيا.
* * *

بقلم: ليلى نيقولا
توعّد الرئيس الأميركي جو بايدن روسيا بفرض المزيد من العقوبات عليها، رداً على الأحداث التي جرت في بوتشا الأوكرانية، كما توعّد الفرنسيون ومفوضية الاتحاد الأوروبي بفرض حزمة جديدة من العقوبات على الروس خلال الأسبوع القادم.
يقول الخبراء الاقتصاديون إنَّ العقوبات المفروضة على روسيا، والتي يبلغ عددها 6000، لم يكن لبعضها مثيل في التاريخ. على سبيل المثال، قام بنك التسويات الدولية في بازل في سويسرا (المعروف باسم البنك المركزي للبنوك المركزية) بتعليق عضوية روسيا ومنعها من الوصول إلى احتياطاتها الخارجية، في إجراء تاريخي لا سابقة له منذ إنشاء البنك في العام 1931، ولم يكن مثيل له خلال الحرب العالمية الثانية.
يفرض الغرب هذه العقوبات بهدفين:
1- تأليب الشارع الروسي ضد بوتين، وبالتالي تشجيع الداخل على إطاحته.
في البداية، تحدَّث الغرب عن قيام النخبة الأوليغارشية بإطاحة بوتين، بسبب تضرّرها المالي من العقوبات المفروضة عليها. وفي وقت لاحق، وبعدما تبيّن عدم قدرتها أو عدم رغبتها في الانقلاب على بوتين، تحدث الغرب عن سخط شعبي عليه سيتسبّب به الانهيار الاقتصادي.
وتشير التقارير والإحصاءات الروسية إلى أنَّ شعبية بوتين لم تتأثر بالعملية بالعسكرية، بل إنَّ بعض مراكز الإحصاء الروسية يشير إلى تحسّن شعبيته، وإلى اقتناع شعبي روسي بالدوافع التي حدَّدها الكرملين للعملية العسكرية الخاصَّة في أوكرانيا.
2- انهيار الاقتصاد الروسي، وبالتالي وقف العملية العسكرية الروسية بسبب الإفلاس.
هذا الأمر يبدو متعذراً أيضاً. لقد استعدّ الروس للعقوبات منذ العام 2014، وبنوا “حصناً مالياً” عبر بناء الاحتياطيات الدولية للبلاد وتنويعها بعيداً عن الدولار الأميركي والجنيه الاسترليني، وعزّزوا تعاونهم الاقتصادي مع الصين، وحققوا اكتفاءً ذاتياً في مجال الغذاء والدواء والتكنولوجيا.
الخطأ الّذي ارتكبه الروس هو ترك ما يوازي 45% تقريباً من تلك الاحتياطيات في البنوك المركزية الأجنبية (فرنسا، واليابان، وألمانيا، والولايات المتحدة، وبريطانيا)، ما أدّى إلى مصادرتها الآن. ولكن مع ذلك، يشير الخبراء إلى أنَّ لدى روسيا إمكانية الوصول إلى أكثر من 300 مليار دولار من احتياطيات الذهب والعملات الأجنبية، أي أكثر من معظم دول العالم.
ورغم الدعاية الغربية التي تقول إنَّ العقوبات سبّبت تقصيراً روسياً في دفع رواتب الجنود وعدم القدرة على شراء الأسلحة، فإنَّ الخبراء العسكريين يشيرون إلى أن الآلة العسكرية الروسية، في معظمها، لا تعتمد على الواردات، بل إنَّ روسيا مصدر رئيسي للأسلحة في العالم، وبالتالي يتم الحصول على السلاح محلياً، ويدفع ثمن السلاح ورواتب الجنود بالروبل الروسي، ولا أزمة لدى الروس في هذا المجال.
في المقابل، يبدو أنَّ نظام العقوبات سيرتد سلباً على معدّيه، وذلك على الشكل التالي:
– تراجع هيمنة الدولار
أشارت جيتا جوبيناث، نائب مدير عام صندوق النقد الدولي، في حديث لصحيفة “فاينانشيال تايمز”، إلى أنَّ العقوبات المالية المفروضة على روسيا تهدّد بالتخفيف تدريجياً من هيمنة الدولار الأميركي، ويمكن أن تؤدي إلى نظام نقدي دولي أكثر تشتتاً.
– تراجع نفوذ الغرب
إنّ نظام العقوبات الذي استخدمه الغرب ضد فنزويلا وسوريا وإيران وكوريا الشمالية سيفقد أهميته، وسيؤدي إلى تقليص نفوذ الغرب في العالم. على سبيل المثال، استطاع الغرب حصد تأييد سياسي لإدانة العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا في الجمعية العامة للأمم المتحدة (143 من 193)، لكنَّهم لم يستطيعوا فرض عزلة اقتصادية على روسيا، إذ امتنعت معظم دول العالم عن تأييد تلك العقوبات، حتى تلك التي صوّتت ضد روسيا في الأمم المتحدة رفضت المشاركة في تطبيق العقوبات، بل إنَّ بعضها اندفع إلى مزيد من التعاون التجاري والاقتصادي مع الروس.
– صعود الآليات الصينية الموازية
تستعمل الصّين نظام “CIPS” الصيني بديلاً لنظام “SWIFT” الذي يديره الغرب. إنَّ الدول والشركات والمؤسسات المالية التي تريد التعامل مع الروس أو مع دول أخرى مفروض عليها عقوبات، ستضطر إلى استخدام البديل الصيني، وهو ما سيحوّله إلى آلية عالمية موازية، إضافة إلى استخدام اليوان في التعاملات التجارية الدولية.
تشير دراسة أعدها الدكتور غراهام أليسون، ونشرتها “هارفرد”، إلى أنَّ العملة الصينية ستصبح عملة عالمية، نظراً إلى حجم الاقتصاد الصيني وتطوره، وهو ما سيعزز نفوذ الصين الاقتصادي، ويسمح لها بتسييله سياسياً في المستقبل.
إنَّ اتجاه الصين الجديد إلى استخدام نفوذها السياسي لحماية حلفائها، كما حصل مع عمران خان في باكستان، ودعوتها إلى تحقيق الاستقرار في أفغانستان، وتأسيس قواعد عسكرية لها خارج حدودها، كما حصل في جيبوتي، وتوسعها الإقليمي وتوقيعها اتفاقيات أمنية، كما حصل مع جزر سليمان (الواقعة قرب أستراليا)…
كلها عوامل تفيد بأنَّ عصر الهيمنة الغربية السياسية والمالية والاقتصادية على العالم سيكون من الماضي، وأنَّ سياسة العقاب عبر العقوبات التي يمارسها الغرب على كلِّ من يقف ضد سياساته ستصبح بلا جدوى، وسيكون نظام الهيمنة الأحادية الأميركية على العالم أقصر نظام عرفه العالم في تاريخه.
لقد عرف العالم أنظمة عالمية متعددة تغيرت بعد حروب كبرى. ومنذ العام 2008، يعيش العالم على وقع إعادة تشكيل نظام دولي جديد، ستبرز ملامحه بعد الحرب (العالمية) على الأراضي الأوكرانية.
ويبدو أنَّ التنبؤ السابق بنظام متعدد الأقطاب أسقطه الغرب باستفزاز روسيا ودفعها نحو الحرب لكسرها عسكرياً واقتصادياً (وهو ما لم يستطع فعله لغاية الآن).
وبناءً عليه، يصبح نظام ما بعد الحرب مكوّناً من كتلتين؛ كتلة غربية تقودها الولايات المتحدة الأميركية، وأخرى شرقية – أوراسية تقودها الصين.
* د. ليلى نقولا أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية
المصدر: الميادين

موضوعات تهمك:

أوكرانيا واتساق المواقف

قد يعجبك ايضا