أوكرانيا ومستقبل النظام الدولى

فى أزمة أوكرانيا التى تبدو كأنها توشك على استدراج العالم إلى حرب ضروس قد تنتهى بنا لفهم المتوقع والمستبعد من أوراق اللعبة.

الكفة داخل الولايات المتحدة تميل نحو اعتماد مسار العقوبات، بما فى ذلك فرضها على بوتين شخصيًا والنخبة الروسية المحيطة به.

ستسفر المواجهة الحالية عن تغير الكثير بالنظام الدولى واستشراف طبيعة المواجهة، القادمة لا محالة، بين أمريكا والصين بل والمواجهة مع قوى متوسطة كإيران.

فالسلوك الأمريكى تجاه روسيا سيكشف استعداد الولايات المتحدة للتعايش عندما تشرع القوى الأخرى فى بسط نفوذها، خاصة بمجالها الحيوى الاستراتيجى والجغرافى.

* * *

بقلم: منار الشوربجي

الأزمة الروسية- الأمريكية بخصوص أوكرانيا مرشحة لأن تكتب صفحة للعلاقات الدولية، فتكشف عن سمات النظام الدولى فى المرحلة المقبلة. فهى قد تضع أيدينا على المعنى الحقيقى لتراجع انفراد أمريكا بقيادة العالم.
ففى تلك الأزمة التى تبدو وكأنها توشك على استدراج العالم إلى حرب ضروس قد تنتهى بنا لفهم المتوقع والمستبعد من أوراق اللعبة.
فروسيا لها مظالم حقيقية تجاه الغرب. فهى قبل انهيار الاتحاد السوفيتى حصلت على تعهد بعدم تمدد حلف الناتو شرقًا ولكن الولايات المتحدة وحلفاءها حنثوا بذلك الوعد، وامتدت أذرع الناتو شرقًا إلى عمق المجال الاستراتيجى الحيوى لروسيا. وهو الأمر الذى جعل أوكرانيا مسرحًا مستمرًا للصراع، خصوصًا بعدما دعمت الولايات المتحدة وصول نظام حليف لها للسلطة هناك.
ورغم أن النظام الدولى لايزال نظامًا أحادى القطبية تقف الولايات المتحدة على قمته، إلا أن القوة العظمى صارت تواجه تحديًا تلو الآخر من أقطاب عدة فى ذلك النظام، ليست لأنها أقوى من أمريكا وإنما لأن القوة الأمريكية لا تعنى أن بالإمكان استخدامها بالمطلق لإحباط طموحات القوى الأخرى ودون قيد أو شرط.
فما إن تمركزت القوات الروسية بكثافة على الحدود مع أوكرانيا حتى صرنا نشهد معارك لفظية لا نهائية لن تسفر على الأرجح عن حرب بالمعنى التقليدى لجيوش ضد أخرى. فأوروبا منقسمة على ذاتها، ودولها لديها أكثر من سبب لتجنب مثل تلك الحرب. ولعل التجسيد الأكثر دلالة على الموقف الأوروبى كان التصريح الذى أقيل بسببه قائد القوات البحرية الألمانية.
فهو قال إن التهديد الروسى لأوكرانيا «محض خيال»، وإن كل ما يريده بوتين هو «بعض الاحترام». والتصريح يشرح فى كلمات قليلة حجم الهوة فى تقدير الموقف ليس فقط بين أمريكا وحلفائها الأوروبيين، وإنما بين دول أوروبا ذاتها.
فتصريح الرئيس الفرنسى، مثلًا، الذى دعا فيها البرلمان الأوروبى لأن يلعب دورًا فى التوصل لاتفاق أمنى مع روسيا أثار غضب بعض الدول الأوروبية المتاخمة لروسيا ورفضه الناتو. والرئيس الأمريكى، حين ذكر علنًا الخلافات الأوروبية، أغضب بعض الأوروبيين وأحرج بعضهم الآخر.
وحتى داخل أمريكا يوجد تباين واضح فى المواقف بين الرئيس شخصيًا وفريقه. فتصريحات بايدن تعكس أكثر من كل مرؤوسيه ميله الشخصى لقبول ما لا يقبلونه بخصوص بسط روسيا هيمنتها على أوكرانيا.
ففى مؤتمره الصحفى عشية مرور عام على تنصيبه، أثار بايدن زوبعة كبرى حين فرق بين رد فعل بلاده إزاء «توغل محدود» للقوات الروسية، ورد فعلها إزاء اجتياح الأخيرة أراضى أوكرانيا.
وهو التصريح الذى راح البيت الأبيض يسعى لتفسيره لاحقًا عبر تغيير الموضوع، والحديث بدلًا من ذلك عن الفارق بين دخول القوات الروسية الأراضى الأوكرانية، وشنها هجمات إلكترونية.
ورغم الإعلان، مؤخرًا، عن أن الولايات المتحدة تدرس إرسال آلاف القوات لأوروبا الشرقية، إلا أن الكفة داخل الولايات المتحدة تميل نحو اعتماد مسار العقوبات، بما فى ذلك فرضها على بوتين شخصيًا والنخبة الروسية المحيطة به.
لذلك، ستسفر المواجهة الحالية عن تغير الكثير في طبيعة النظام الدولى فتساعد على استشراف طبيعة المواجهة، القادمة لا محالة، بين الولايات المتحدة والصين بل والمواجهة مع قوى أخرى متوسطة مثل إيران.
فالسلوك الأمريكى تجاه روسيا سيكشف عما ستكون الولايات المتحدة على استعداد للتعايش معه عندما تشرع القوى الأخرى فى بسط نفوذها، خصوصًا فى مجالها الحيوى، الاستراتيجى والجغرافى.

* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحثة في الشأن الأمريكي
المصدر| المصري اليوم

موضوعات تهمك:

أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية.. إستراتيجية فاشلة

قد يعجبك ايضا