أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية.. إستراتيجية فاشلة

أوكرانيا اليوم ساحة اختبار حقيقية للطرف الروسي واختبار أهم للغرب!

رغم العقوبات الأمريكية واصلت روسيا سياستها وإستراتيجيتها الرامية إلى التوسع غرباً، وقضم أوكرانيا، مما يحوّل روسيا لقوة عالمية.

ليست أوكرانيا بحاجة لسلاح عقوبات يُشهر بوجه الحشود الروسية بل تطالب بأسلحة متطورة ودعم عسكري غربي غير مرخص له حتى الآن.

تصر أمريكا على استخدام ما أثبت فشله، وإخفاقه، وتهدد به الحشود العسكرية الروسية المتعاظمة على حدود أوكرانيا المفترض أن تصبح عضواً في الناتو!

يظهر تماسك وتعزيز المحور المضاد: روسيا والصين وإيران، فجميع مكوناته تسير مع بعضها بشكل متناغم، لإفشال الاستراتيجية الأمريكية كل في حيّزه.

تستطيع روسيا والصين وغيرهما الالتفاف على العقوبات البنكية وآلية “سويفت كود” بالتعامل بعملات رقمية سيما بعد تعهد روسيا بوقف بيع الغاز للغرب بالدولار.

* * *

بقلم: أحمد موفق

تُصر أمريكا على استخدام دليل عقوبات قديم، لم تنته صلاحياتُه فحسب، وإنما فشل طوال استخداماته لعقود، بعد أن فرض عقوبات على كوبا وإيران والعراق والنظام السوري وأخيراً على روسيا والصين.
لكن لا تزال أمريكا تصر على استخدام ما أثبت فشله، وإخفاقه، وتهدد به في ظل الحشودات العسكرية الروسية المتعاظمة على حدود من يُفترض أن تكون عضواً في الناتو الآن وهي أوكرانيا، لتتحول إلى ثغرة دوفرسوار روسية حقيقية نحو العمق الغربي.
لقد باتت أوكرانيا اليوم مهددة بالابتلاع روسياً كما حصل عام 2014 بالقرم، ومن قبلها بجورجيا، فهي ليست بحاجة لسلاح عقوبات يُشهر بوجه الحشودات الروسية، وإنما تطالب بأسلحة متطورة، ودعم عسكري غربي غير مرخص له حتى الآن.
لجأت أمريكا عام 2014 إلى معاقبة الشركات الروسية، ووضع بعض بنوكها على القائمة السوداء، وحرمتها من استخدام البطاقات الائتمانية، ولكن مع هذا، واصلت روسيا سياستها، وإستراتيجيتها الرامية إلى التوسع غرباً، وقضم أوكرانيا، مما يحوّل روسيا لقوة عالمية بحسب تقييم مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق بريجنسكي.
عالم اليوم لم يعد عالم 2014 في ظل العملات الرقمية المتعاظم شأنها، والتي تهدد بالتفوق المالي الغربي والأمريكي تحديداً، إذ تستطيع كل من روسيا والصين وغيرهما الالتفاف على العقوبات البنكية، وحتى على آلية “سويفت كود” من خلال التعامل بالعملات الرقمية، لاسيما بعد أن تعهدت روسيا بوقف بيع الغاز للغرب بالدولار.
كل العقوبات الأمريكية السابقة المفروضة على روسيا لم تُفلح في تعديل سياساتها كما هدفت أمريكا، وإنما واصلت روسيا عمليات الاختراق السيبراني، وواصلت معه قمع معارضيها في الداخل والخارج، بينما تمسكت أمريكا بسياسة العقوبات القديمة، في مواجهة التكتيكات الروسية الهجومية المتعددة والمتنوعة.
وبحسب الخزانة الأمريكية فإن العقوبات الأمريكية تضاعفت إلى 933 ضعفاً خلال الفترة الواقعة بين 2000 – 2021، وفي فترة حكم باراك أوباما وُضعت 500 جهة ضمن قائمة العقوبات، لتتضاعفت خلال إدارة دونالد ترمب، ولكن النتيجة هي نفسها، الفشل والإخفاق على الصعيد الأمريكي، والإصرار والهجوم والعناد على صعيد الخصوم.
أثبتت العقوبات وبالدليل الواضح والقطعي فشلها تاريخياً وعدم جدواها، بعد أن فقدت كفاءتها وقدرتها على التأثير، بل منحت الخصم فرصة للتفكير، بالالتفاف ليس تكتيكياً فحسب، وإنما إستراتيجياً عبر إيجاد بديل كالعملات الرقمية، ونقل وتحويل الأموال بعيداً عن نظام يتحكم به الدولار تقليدياً.
لكن حتى نكون منطقيين لا يمكن تحميل العقوبات الاقتصادية لوحدها الفشل في إرغام روسيا وخصوم أمريكا على تعديل سياساتهم، وإنما لا بد من تحميل من استخدمها في كل مكان تصلح فيه ولا تصلح فيه، فكما قيل لكل مقام مقال، وكما يقول المثل الإنجليزي: “لا يمكن تحميل المطرقة المسؤولية، إن أُريد لها أن تقوم مقام مفكّ البراغي”، فلكل وظيفته ووقته ومداه.
بلا شك فإن روسيا تتقدم اليوم سياسياً على أمريكا والغرب عموماً، متسلحة بهزيمة أمريكية وغربية في أفغانستان، وانسحاب من الشرق الأوسط، وارتباك في الأولويات الأمريكية من التركيز على أفغانستان، إلى مواجهة مع الصين، والآن ضاغط أوكرانيا، وتفجير بوتين لصاعق جديد اسمه البوسنة والهرسك الواقعة وسط أوروبا، مما يعني أن الحرائق المشتعلة غدت في مناطق الغرب ذاته.
إذ إن عجز أمريكا والغرب بشكل عام على حماية اتفاقها في دايتون 1995، يظهر مدى عجزها وهشاشتها دولياً، لاسيما بعد أن أعلن الرئيس التشاركي البوسني وصربي الأصل ميلوردا دوديك الذي كان موالياً للغرب قبل أن يتحول لصف بوتين، فقد أعلن انحيازه للموقف الروسي، وطالب بفصل منطقته سربسكا عن البوسنة والهرسك، مما يعني انهيار اتفاق دايتون، وانهيار من رعاه في البوسنة والهرسك، وزعزعة لاستقرار الدولة كما قال السفير البريطاني في المنطقة.
ومع تكبير الدائرة عالمياً يظهر نجاح بوتين من البوابة الأوكرانية على عدة مستويات، فقد استغل الهزيمة الأمريكية في أفغانستان، والفجوة التي حصلت بينها وبين الهند، فقام بزيارة استثنائية لنيودلهي في زمن الكورونا التي عادة ما تقلّ فيه الزيارات، وعقد صفقات عسكرية امتدت لبيع مضادات جوية أس-400، وهو ما ضرب من خلاله عدة عصافير بحجر واحد.
فقد خلق شرخاً بين نيودلهي وواشنطن، ووضع الأخيرة أمام استحقاق يطالبها به حتى حلفاؤها من فرض عقوبات على الهند كما فعلت مع تركيا يوم اشترت نفس الصفقة، ومع إبعاد الهند عن الإستراتيجية الأمريكية في المحيط الهادئ الرامية إلى مواجهة الصين، تكون خففت بذلك من غلواء العداء الهندي للصين، وكسبت الأخيرة إلى صفها عبر خدمة مميزة أسدتها للصين.
في مقابل التراخي الغربي والتردد الأمريكي، وحالة اللاثقة التي نشأت في الفترة الأخيرة داخل معسكر الغرب إن كان بسبب صفقات أسلحة، أو صفقات الكوفيد-19، أو بسبب الهزيمة في أفغانستان، وحتى الخلاف الأوروبي ـ الأمريكي في سوريا وغيرها، يظهر لنا تماسك وتعزيز المحور الآخر الذي أضلاعه روسيا والصين وإيران، إضافة إلى كسب الهند كما رأينا حتى الآن على الأقل، فجميع مكونات هذا المحور تسير مع بعضها بشكل متناغم، لخدمة هدف واحد وهو إفشال الإستراتيجية الأمريكية كل في حيّزه.
ولعل الساحة الأوكرانية اليوم ساحة اختبار حقيقية للطرف الروسي، كما هي ساحة اختبار أهم للطرف الغربي، فإن حسمت لصالح روسيا فحينها لو كان إدوارد غيبون حياً لكتب كتابه الجديد صعود وسقوط الإمبراطورية الديمقراطية الغربية، كما فعل من قبل مع الإمبراطورية الرومانية!

* د. أحمد موفق زيدان كاتب صحفي وإعلامي سوري

المصدر| الشرق

موضوعات تهمك:

الصراع على أوكرانيا

قد يعجبك ايضا