أساطير «أميركا الحمراء»

محمود زين الدين12 أغسطس 2022آخر تحديث : منذ شهرين
محمود زين الدين
صحافة و آراءمميزة
Ad Space
أساطير

المفاهيم الخاطئة اليمينية عن أميركا الزرقاء (الديمقراطية) أعمق وأكثر خطورة بكثير.
جرائم العنف ارتفعت أثناء الجائحة، لكن معدل ارتفاعها بالمناطق الريفية بأميركا ضاهى معدل ارتفاعها في المناطق الحضرية.
كم عدد الجمهوريين الذين يعتقدون أن الرئيس جو بايدن وغيره من الديمقراطيين البارزين هم متطرفون يساريون، بل ماركسيون بالفعل؟
كذبة سرقة انتخابات 2020 الكبرى جزء من كذبة أكبر تدعي أن الحزب الديمقراطي يخضع لسيطرة يسار متشدد يستهدف تدمير أميركا.
كثيرين من المرشحين «الجمهوريين» يزعمون أن «الديمقراطيين» يتعمدون تقويض الأمة والترويج للعنف ضد خصومهم، وزعم البعض أننا بالفعل في حرب أهلية.
شريحة كبيرة من الناخبين في أميركا قبلوا فكرة اقتراب نهاية أميركا التي لا علاقة لها بواقع الطريقة التي يفكر بها النصف الآخر أو يتصرف أو يعيش.
* * *

بقلم: بول كروغمان
في هذه المرحلة، يتقبل معظم المراقبين السياسيين ببساطة أن أغلبية ساحقة من «الجمهوريين» يقبلون الكذبة الكبرى الخاصة بسرقة انتخابات عام 2020 كحقيقة من حقائق الحياة.
لكن ما أعتقد أنه لا يحظى بتقدير كامل هو أن الكذبة الكبرى جزء لا يتجزأ من كذبة أكبر مفادها الادعاء بأن الحزب «الديمقراطي» يخضع لسيطرة اليساريين المتشددين الذين يستهدفون تدمير أميركا كما نعرفها.
وهذه الكذبة بدورها تستمد الكثير من قدرتها على الإقناع من وجهة نظر مشوهة بشكل غريب لما تبدو عليه الحياة في «أميركا الزرقاء» (الديمقراطية)، في مقابل «أميركا الحمراء» (الجمهورية).
والنخب الحضرية متهمة باستمرار بعدم فهم أميركا الحقيقة ذات العلامة التجارية المميزة. وللإنصاف، ربما لا يكون لدى معظم سكان المدن الكبيرة فكرة جيدة عما تبدو عليه الحياة في المناطق الريفية والبلدات الصغيرة. لكنني سأجادل بأن المفاهيم الخاطئة اليمينية عن أميركا الزرقاء أعمق بكثير، وأكثر خطورة بكثير.
ولنبدأ بالسياسة.
فقد أشار ديف ويغل في تقرير لـ«واشنطن بوست» عن الحملة الانتخابية إلى أن كثيرين من المرشحين «الجمهوريين» يزعمون أن «الديمقراطيين» يتعمدون تقويض الأمة والترويج للعنف ضد خصومهم، وزعم البعض أننا بالفعل في حرب أهلية.
وفاز بعض (أو كثيرون) من هؤلاء المرشحين في الانتخابات التمهيدية، مما يشير إلى أن قاعدة تأييد الحزب «الجمهوري توافقهم الرأي. وأود أن أرى بعض استطلاعات الرأي التي تتماشى مع تلك التي تظهر أن معظم «الجمهوريين» يقبلون الكذبة الكبيرة. فكم عدد «الجمهوريين» الذين يعتقدون أن الرئيس جو بايدن وغيره من «الديمقراطيين» البارزين هم متطرفون يساريون، بل ماركسيون بالفعل؟
وفي هذا الصدد، أود أن أعرف عدد «الجمهوريين» الذين يعتقدون أن المحتجين من ذوي الأصول الأفريقية في حركة «حياة السود مهمة» نهبوا وأحرقوا أجزاء كبيرة من المدن الأميركية الكبرى.
والآن، الحقيقة هي أن الحزب «الديمقراطي» الحديث هو تحالف معتدل من يسار الوسط، ويتألف مما قد يسميه الأوروبيون بـ«الديمقراطيين الاجتماعيين»، والمحافظين نسبيا منهم.
وإذا أخذنا معيار واحد، لا يمكنني تذكر أي «ديمقراطيين» بارزين- في الواقع، أي أعضاء «ديمقراطيين» في الكونغرس- عبروا عن إعجابهم بأي نظام أجنبي غير ديمقراطي.
وهذا على النقيض من إعجاب المحافظين الواسع النطاق برئيس المجر فيكتور أوربان الذي ندد مؤخراً بالأوروبيين الآخرين «لاختلاطهم بغير الأوروبيين» وأعلن أنه لا يريد أن تصبح المجر دولة «مختلطة الأعراق».
وعلى جبهة العنف المنزلي، وجدت دراسة أجرتها رابطة مكافحة التشهير أن 75% من جرائم القتل المنزلي ذات الصلة بالتطرف من 2012 إلى 2021 ارتكبها يمينيون و4% فقط منها ارتكبها يساريون.
وفيما يتعلق بحركة «حياة السود مهمة» كانت الاحتجاجات، في الواقع، سلمية إلى حد كبير. صحيح أن بعض أعمال إشعال الحرائق والنهب قد وقعت، وقدر إجمالي الأضرار التي لحقت بالممتلكات بما يتراوح بين مليار وملياري دولار.
وهذا قد يبدو كثيرا، لكن أميركا بلد كبير، لذا يجب النظر إلى الأمر من الزاوية الصحيحة. وإليكم نقطة واحدة للمقارنة. بالعودة إلى أبريل، قام غريغ أبوت، حاكم ولاية تكساس، بمهمة سياسية على الحدود مع المكسيك، حيث فرض مؤقتا مزيدا من عمليات التفتيش الأمنية التي تسببت في تباطؤ كبير في حركة المرور، وتعطيل الأعمال، وتسبب في فساد الكثير من المنتجات.
وقُدرت الخسائر الاقتصادية الإجمالية بنحو أربعة مليارات دولار، أي أن بضعة أيام من التشديد الأمني على الحدود تسبب في أضرار اقتصادية أكثر مما تسبب فيه 100 يوم من الاحتجاجات الجماهيرية.
لكن سرد هذه الحقائق، لن يغير على الأرجح رأي كثيرين. وليس هناك فيما يبدو أي طريقة لتغيير التصور الذي أشار إليه مقال «واشنطن بوست» السالف الذكر بأن الموقف المتراخي تجاه تطبيق القانون قد حول المدن الكبرى في أميركا إلى جحيم خطير.
صحيح أن جرائم العنف ارتفعت أثناء الجائحة، لكن معدل ارتفاعها في المناطق الريفية بأميركا ضاهى معدل ارتفاعها في المناطق الحضرية. ورغم هذا الارتفاع الأخير، أصبح العنف في مدن كثيرة أقل بكثير مما كان عليه منذ وقت ليس ببعيد.
ففي مدينة نيويورك، كانت جرائم القتل حتى الآن من العام الجاري أقل قليلا من مستواها عام 2021، وفي عام 2021 كانت أقل 78% عما كانت عليه عام 1990 وأقل الربع مما كانت عليه عام 2001.
وكما رصد جوستن فوكس من بلومبيرغ، فإن نيويورك في الواقع أكثر أمانا من المدن الصغيرة في أميركا. ولوس أنجليس شهدت أيضا انخفاضاً كبيراً على المدى الطويل في جرائم القتل، كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا ككل.
وعادت بعض المدن، ولا سيما فيلادلفيا وشيكاغو، أو تجاوزت معدلات القتل التي حدثت فيها بأوائل التسعينيات، لكنها لا تمثل الصورة الأوسع. لكن كم عدد الذين يعترفون بهذا الواقع من القاعدة «الجمهورية»؟ وحين أذكر الأمان النسبي لنيويورك، أتلقى وابلا من الرسائل تقول «لا يمكنك تصديق ذلك حقا».
الحقيقة هي أن شريحة كبيرة من الناخبين في الولايات المتحدة قبلوا فكرة اقتراب نهاية أميركا التي لا علاقة لها بواقع الطريقة التي يفكر بها النصف الآخر أو يتصرف أو يعيش.
ولسنا بحاجة إلى السؤال عن احتمال أن يؤدي هذا الخيال المتشائم إلى العنف السياسي ومحاولات الإطاحة بالديمقراطية. فهذا الخيال يؤدي بالفعل إلى العنف السياسي ومحاولات الإطاحة بالديمقراطية. والأمور قد تتفاقم.

* بول كروغمان أكاديمي أميركي حائز على جائزة نوبل في الاقتصاد.

المصدر: نيويرك تايمز

موضوعات تهمك:

أميركا تشعل الحرائق في كل مكان

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة