أردوغان “يتوازن” إقليمياً.. بالورقة الإسرائيلية؟

تتحرّك الديبلوماسيّة التركية على خطوطٍ عدّة بين البحر الأسود وشرق أوروبا من جهة، والخليج وشرق المتوسّط من جهة أخرى.
إيقاعات مختلفة يطغى عليه الدور البارز لأردوغان في الجهود الرامية إلى إيجاد تسوية سلميّة للمواجهة الدائرة بين روسيا وحلف الأطلسي في أوكرانيا.
العلاقات التركيّة مع مَصر والسعوديّة، هما ركيزة أيّ سياسة عربيّة ناجحة لتركيا، خصوصاً بعد فشل رهان أردوغان على التغيير في سوريا.
تتطلّب الديناميّة الجيوسياسيّة التركية الموروثة من الامبراطوريّة العثمانية، وجود فريق خلّاق من الخبراء لإدارة مثل هذه السياسة الخارجيّة المعقّدة والمركّبة
عمليّة التطبيع مع إسرائيل والانفتاح على الإمارات معاً تتواصل في العمق مع الديناميّة التركيّة التي بدأت بالتموضع في ليبيا والتعثّر شرقي المتوسط.
البيئة الجيوسياسيّة التركية تُغطّي جغرافيّتها نُظماً إقليميّة فرعيّة عدّة من حوض البحر الأسود إلى حوض المتوسط، مروراً بحوض بحر إيجه والبوسفور والدردنيل، ومن البلقان إلى القوقاز وآسيا الوسطى والمشرق العربي.
* * *

بقلم: ميشال نوفل
يمكن للنجاح التركي في الجمع بين الجانبَين المتنازعَين الروسي والأوكراني على طاولة واحدة، أن يساهم في كسر العزلة السياسيّة التي كانت أنقرة تشعر بوطأتها في الآونة الأخيرة من جرّاء مشاكل مزمنة مع الإتحاد الأوروبي والإدارة الأميركية، فضلاً عن تعقيدات ناتجة من صعوبة التوفيق بين هُويّة أطلسيّة مضطربة وتقارب ضروريّ مع روسيا وسط علاقة وثيقة تربط أردوغان بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
وما يعنينا في منظومة السياسة الخارجية التركية، هو دائرة الشرق الأوسط التي شهدت حراكاً تركيّاً ناشطاً تمثّل بالتموضع في الأزمة الليبية، والتوسّع في عمليات البحث عن منابع وخطوط الطاقة في الحوض الشرقي للبحر المتوسط، وأخيراً الانفتاح على إسرائيل وإعادة تطبيع العلاقات معها من باب مشاريع أنابيب الغاز والرهان على المشاركة في خطِّ الغاز إلى أوروبا.
ولأنّ هذا المتغيّر في السياسة الإقليميّة لتركيا، يستدعي نظرةً من الداخل والخارج في آنٍ معاً، فقد رأينا أن يخضع لمناقشة افتراضيّة تضمّ خبراءً أتراكاً يُفترض أنهم على صِلة وثيقة باتّجاهات السياسة التركيّة وتعقيداتها.
يقول الكاتب والمحلّل التركي البارز جنكيز تشاندر إنّه من الطبيعي أن تعاود براغماتيّة أردوغان استخدام ورقة إسرائيل في مشاريع الطاقة، وذلك في معرض ردّ تشاندر على التساؤلات والاحتجاجات العربيّة التي أثارتها الحماسة التي أبداها الرئيس التركي في محاولته إعادة الدفء إلى العلاقات التركية – الإسرائيلية عقب مرحلة طويلة من التدهور تلتها مرحلة من التطبيع البارد المشوب بمظاهر صعودٍ وهبوط
“إن أردوغان الذي تواجه حكومته أزمة اقتصادية ومالية صعبة، يعاني نوعاً من العزلة الديبلوماسية في الشرق الأوسط، نظراً إلى الجمود الذي يعتري علاقات تركيّا بمَصر والسعوديّة، وهما ركيزة أيّ سياسة عربيّة ناجحة لتركيا، خصوصاً بعد فشل رهان أردوغان على التغيير في سوريا”.
ويربط تشاندر الانفتاح التركي المستجد على إسرائيل بمشاكل أردوغان مع الاتحاد الأوروبي وإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، مشيراً إلى التداعيات الخطيرة التي نجمت عن المواجهة في شرق المتوسّط مع أوروبا ممثلّة بفرنسا التي أخذت جانب اليونان – العدوّ التاريخي لتركيا – في الصراع الدولي على مكامن الغاز والنفط وتحديد المناطق الاقتصادية الخالصة.
وفي هذا السياق من القدح الفكري، تعرّضنا للنكسة التي عرفتها الديبلوماسية التركيّة في الدائرة الأوراسيّة عقب إعلان منظمة الدول الناطقة بالتركية في آسيا الوسطى استدعاء التدخل العسكري الروسي في معزلٍ عن أنقرة لوضع حدٍّ للاضطرابات في كازاخستان.
ثمّ جاء المحلّل التركي بفكرة مثيرة وهي أن يكون الزعيم التركي قد التقط من تجربة دولة الإمارات أهميّة “العامل الإسرائيلي” في محاولته تحسين صورة حكومته لدى الغرب، وتالياً استخدام هذا العامل لكسر العزلة الديبلوماسيّة ووقف النّزف الاقتصادي الناتج من هروب الاستثمارات الغربية من تركيا.
يبدو لي أنّه من السابق لأوانه الوقوف بدقّة على مدى تأثير الفاعليّة الديبلوماسيّة لأنقرة في التسوية الأوكرانية المرتقبة، في تحسين صورة تركيا في أوروبا، لكنّ الأكيد أنّ عودة الارتباط التركي الإماراتي عقب قطيعة واتّهامات متبادلة، لها منطقها الإقليمي الخاص ولا تمرّ عبر “العامل الإسرائيلي”.
وأتصوّر أنّ أردوغان لم يكن ليرضى بأقلّ من إعلان “حقبة جديدة” في العلاقات التركيّة الإماراتية، في مناسبة زيارة وليّ عهد أبو ظبي الشيخ محمد بن زايد لأنقرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وهي الزيارة التي شهدت توقيع اتّفاقات تجاريّة ودفاعيّة، فضلاً عن ضخّ استثماراتٍ قيمتها 10 مليارات دولار. وقد بنى أردوغان على هذه الخطوة للقيام لاحقاً بزيارة تاريخيّة للإمارات اعتُبرت مدخلاً لإعادة العلاقات مع السعودية ومِصر.
وهنا يفيدنا الصحافي سابيه فالور بتصويب يتعلّق بالبيئة الجيوسياسيّة للدولة التركية التي تُغطّي جغرافيّتها نُظماً إقليميّة فرعيّة عدّة، من حوض البحر الأسود إلى حوض البحر الأبيض المتوسط، مروراً بحوض بحر إيجه والبوسفور والدردنيل، ومن البلقان إلى القوقاز وآسيا الوسطى والمشرق العربي.
وتعني هذه الصورة أنّ الجيوبوليتيك التركيّ التي تربط بين عوالم متعدّدة تفرض على السياسة الخارجيّة أن تتحرّك بمرونة وانسجام بين اتّجاهات عدّة تلتقي عند محور ناظمٍ واحد. وتتطلّب هذه الديناميكيّة الجيوسياسيّة الموروثة من الامبراطوريّة العثمانية، وجود فريق خلّاق من الخبراء والعلماء لإدارة مثل هذه السياسة الخارجيّة المعقّدة والمركّبة.
ويرى فالور أن مثل هذا الفريق الإستشاري لا يجاري نشاطيّة أردوغان التي تتّسم بروح المبادرة ولا تتردّد أمام المجازفة بتحمّل الخسارة إذا اقتضت اللعبة ذلك، ما يتركُ الانطباع عند بعض السياسيين الأتراك بأنّها تفتقد المنطق الاستراتيجي أحياناً، فضلاً عن غياب معارضة تركية وازنة يمكن أن تضطلع بدور الموجّه أو المصلح.
لقد تبلّورت صورة السياسة الخارجية هذه مع انتقال تركيا الأردوغانيّة من النظام البرلماني إلى نظام رئاسي تهيمن عليه شخصيّة أردوغان، وذلك بعدما نجح التيار القومي/الديني بقيادة حزب العدالة والتنمية في إدارة نهوض اقتصادي موجّه نحو التصدير جعل البلاد ترتقي سريعاً إلى مصاف قوى اقتصادية كبرى.
ولم تلبث الأزمة السيستاميّة في المشرق العربي أن ألقت بثقلها على الحياة السياسيّة في تركيا من خلال التورّط في الحرب على سوريا واعتماد الإسلام السياسي رافعة للتموضع في شبكة العلاقات العربيّة – العربيّة.
ومع تحوّل الصراع على سوريا في سياق التدخّل الإيراني والروسي، إلى عامل ضاغط في السياسات والاستقطابات في بلاد الأناضول، تخلّت حكومة أردوغان عن خيار الحوار السياسي لحلِّ المسألة الكرديّة وانتهجت الحلّ العسكري وسياسة الأرض المحروقة في جنوب شرق الأناضول علاجاً للمطالب القوميّة والديموقراطيّة للأقليّة الكرديّة الكبرى.
وتزامن الاتجاه الرسمي لعسكرة المسألة الكرديّة، مع تفكّك “الحالة الإسلاميّة” حول خيارات أردوغان، وتفاقم نزعة تركيز كل السلطات بين يديه، وانكشاف الإدارة السيّئة للشؤون الماليّة والنقديّة التي تولّاها مقرّبون من أردوغان أو من أفراد عائلته، وسط شكوى متصاعدة من تدهور مناخ الحريّات الإعلاميّة والأكاديميّة، وضغوط أوروبيّة وأميركيّة لا توفّر أيّ وسيلة للتحريض على ما يعتبره الإعلام الغربي “عمليّة أسلمة النظام” العلماني الذي أسّسه مصطفى كمال أتاتورك.
وهكذا شهدت تركيا خلال السنوات الأخيرة هجرة غير مسبوقة للإستثمارات الغربيّة (لم تنفع فيها كثيراً المساعدة القطريّة)، الأمر الذي هدّد البلاد بخسارة مكانتها كقوّة اقتصادية ناهضة تحوز على اعتراف المؤسسات الماليّة الدوليّة، وضاعف تالياً المخاوف من انفجار الأزمة الاقتصادية.
ولذلك اعتُبرت الخطوات المتسارعة التي أقدم عليها أردوغان في الآونة الأخيرة لتحسين العلاقات بإسرائيل والإمارات عاملاً مساعداً لاستعادة تركيا موقعها كمجال واعد للاستثمارات، فضلاً عن الرهان على مشروع شرق المتوسط لنقل الغاز الإسرائيلي إلى أوروبا عبر تركيا.
ومجرّد البحث في إقامة خطّ الغاز هذا، – وإن كانت صعوبات سياسية كثيرة تعترضه – من شأنه أن يرفع معنويات أوساط الأعمال والتجارة في أنقرة وإسطنبول.
والأمر اللافت للانتباه أنّ أنقرة لم تُظهر اهتماماً بعقد اتفاقات في مجال الطاقة مع إسرائيل منذ القطيعة التي أعقبت الأزمة الناتجة من الهجوم الإسرائيلي على أسطول السلام المتوجّه نحو فكّ الحصار على قطاع غزّة (2010).
وبعد ذلك تدنّت الاتصالات الديبلوماسيّة بين الجانبين إلى مستوى القائمَين بالأعمال بعدما طردت تركيا السفير الإسرائيلي في مايو 2018 في سياق الاحتجاجات الفلسطينية على نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى القدس والتي أسفرت عن سقوط 60 فلسطينيّاً.
غير أنّ أردوغان راح في الفترة الأخيرة يُركّز على مشروع نقل الغاز من شرق المتوسط مبدياً حماسة استثنائية للتعاون مع إسرائيل في مجال الطاقة. ويبدو أن إعلان إدارة بايدن أواخر يناير الماضي سحب تأييدها لمشروع خط الغاز بين إسرائيل وقبرص واليونان، شجّع الرئيس التركي على الرهان على خط الغاز الإسرائيلي – التركي البديل، برغم أن بعض أسباب حماسة الأميركيين للأخير.. محض تقنية.
وقد يكون أحد أهداف أردوغان من الانفتاح على إسرائيل، العمل لإبعاد اليونان وقبرص عن شبكة الشراكة المتوسّطيّة الخليجيّة الآخذة في النمو، غير أن إسرائيل لا تبدو مستعدّة للتخلّي عن تحالفها مع اليونان وقبرص مقابل تطوير العلاقات مع تركيا، علماً أن أردوغان توقّع في مناسبة زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتزوغ الأخيرة لأنقرة، تحوّلاً في العلاقات التركيّة – الإسرائيليّة عقب أكثر من عقدٍ غلب عليه التوتر والقطيعة.
وخلُصت المناقشة التي شارك فيها عالِم الاجتماع علي بيرم أوغلو إلى نتيجة أساسية مفادها أنّ عمليّة التطبيع مع إسرائيل والانفتاح على الإمارات في آن معاً، إنّما تتواصل في العمق مع الديناميّة التركيّة التي بدأت بالتموضع في الساحة الليبيّة والتوسّع المتعثّر في الحوض الشرقي للمتوسط، وهي تستهدف اختراق العقبة التي تحول دون قبول تركيا في منظومة غاز شرق المتوسط من خلال “منتدى غاز شرق المتوسط” الذي يضمّ مِصر وإسرائيل وفلسطين والأردن وقبرص واليونان وإيطاليا.
وقال علي بيرم أوغلو إنّ الاتجاهات الجديدة للعلاقات التركيّة مع إسرائيل، بالتوازي مع إعادة ترتيب العلاقات بدول الخليج لا تُمثّل تغييراً في الاستراتيجيّة المتّبعة من أردوغان. وشرح أنّ “ثمّة عوامل ثلاثة تطغى على المشهد:
– الأوّل هو براغماتيّة أردوغان التي تسعى تركيا في إطارها إلى الحفاظ على قوّتها والفرص المتوفّرة في المنطقة.
– الثاني هو الالتزامات المرِنة التي تتوافق مع الظروف المتغيّرة.
– أمّا العامل الثالث فهو أنّ كل ما يساعد في تطبيع الأزمة الداخلية يفيد أردوغان في الإعداد لمواجهة استحقاق الانتخابات المقبلة”.
وإذا كان التطبيع مع إسرائيل ليس كافياً لتحقيق هذا الهدف بالنظر إلى الحذر الإسرائيلي إزاء سياسة أردوغان الفلسطينيّة ونشاطات “حماس” في تركيا، فإنّ براغماتيّة أردوغان تسمح له بتجاوز اتّفاقية أبراهام التي مهّدت لانضمام دولة الإمارات إلى حملة التطبيع الإسرائيلية التي شملت البحرين والمغرب والسودان، وذلك للانفتاح على الإمارات ورفد المعادلة الخليجيّة – الإيرانية بالقدرة التركيّة على التوازن الجيوسياسي مع إيران.
وهو الأمر الذي يصعب أن توفّره الخدمات الأمنيّة الإسرائيليّة ويُمثّل عامل اطمئنان للخليجيين في ظلّ التقارب الأميركي – الإيراني على خلفيّة مفاوضات إحياء الاتفاق النووي.
إذًا، يمكن القول إنّ لا تغيير أساسيّاً في المحور الناظم للسياسة الإقليميّة لتركيا، ما دام التركيز على خطّ أنابيب الغاز من إسرائيل إلى أوروبا ينطلق من حساباتٍ تتعلّق بالأزمة الاقتصاديّة التركيّة وهجرة الاستثمارات من جهة، ومحاولة كسر العزلة إزاء منظومة الغاز المتوسّطية من جهة أخرى.
* ميشال نوفل ميشال نوفل كاتب وصحافي لبناني
المصدر: 180 بوست

موضوعات تهمك:

 

قد يعجبك ايضا