صراع مفتوح بين القوى الكبرى للسيطرة على الإنترنت

محمود زين الدين28 سبتمبر 2018آخر تحديث :
صراع مفتوح بين القوى الكبرى للسيطرة على الإنترنت
  • ترفض الصين وروسيا فرض أميركا قيود قانونية على إدارة الفضاء الإلكتروني لأنه يقوّض مصالحهما عالميا.
  • صراع مفتوح بين القوى الكبرى للسيطرة على الإنترنت واستخدامه لتحقيق أهدافها المتعارضة!
  • تنشغل دول عربية بمعارك سلطوية طائفية إثنية بينما يدور صراع بقمة النظام الدولي له تأثير على مصيرها.

 

الصراع على الإنترنت

بقلم: خليل العناني

من منا يمكنه العيش الآن من دون إنترنت، ليس فقط لأيام وإنما لساعات أو ربما دقائق؟

من يمكنه الاستغناء عن الشبكة العنكبوتية، سواء لإنجاز بعض المعاملات، أو للتواصل مع غيره من الأصدقاء أو الموظفين أو الجهات الحكومية وغير الحكومية؟

من يمكنه السفر والحركة أو التعرّف على أخبار الطقس والاقتصاد والكوارث والأزمات والأفراح ونتائج الرياضات المختلفة من دون الدخول إلى شبكة الإنترنت؟

قد تبدو الإجابة عن كل هذه الأسئلة، وغيرها، بديهية، وهي أن الإنترنت بات يعيش معنا أينما ذهبنا وحللنا.

لكن الصراع المفتوح الآن بين القوى الكبرى، مثل أميركا والصين وروسيا، للسيطرة على الإنترنت، واستخدامه من أجل تحقيق أهدافها المتعارضة يجعل من إثارة الأسئلة السابقة أمراً مهماً.

ولمَ لا وخاصة أن ظهور الإنترنت كان من خلال وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) أواخر الستينيات عبر مشروع “الأربانت” الذي كان يسعى إلى ربط الجامعات ومؤسسات الأبحاث الأميركية ببعضها من خلال شبكة واحدة.

وذلك قبل أن يصبح الإنترنت متاحاً للجميع منتصف التسعينيات من القرن الماضي، في ما سمّاه بعضهم وقتها “ثورة المعلومات” التي تزامنت مع ظهور العولمة، بأشكالها التجارية والاقتصادية والتدفقات البشرية عبر الحدود المفتوحة.

لم يعد الإنترنت الآن ملكاً للولايات المتحدة، أو حكرا عليها. وهناك محاولات دائمة من الصين وروسيا للسيطرة عليه، وتوجيهه لخدمة مصالحهما.

فالإنترنت الذي كان مشروعاً أميركياً، حسبما يقول الباحث في مجلس الشؤون الخارجية الأميركي، آدم سيغال، بات معرّضاً للسيطرة عليه من دول وحكومات أخرى.

بدأت أميركا تفقد قيادتها للفضاء الإلكتروني cyberspace لصالح الصين التي تسعى إلى أن تكون قوة فضائية عالمية أو cyber-superpower. وهو ما تنافسها فيه روسيا أيضا التي تمتلك قدراتٍ تقنية عالية، مكّنتها من التدخل والتأثير في الأوضاع السياسية في أميركا والدول الغربية خلال الأعوام الماضية.

لذلك، ليس غريباً أن ترفض كل من الصين وروسيا محاولة الولايات المتحدة وضع قيود قانونية على إدارة الفضاء الإلكتروني، باعتباره عملاً يقوّض قدراتها التكنولوجية، وبالتالي يهدّد مصالحها المتنامية في العالم.

تدرك الصين وروسيا أن السيطرة على الإنترنت، أو على الأقل المشاركة في إدارته عالمياً، ليس فقط يمكّنهما من حماية مصالحهما التجارية والاستراتيجية، خصوصا في ظل التوتر مع الإدارة الأميركية الحالية.

بل أيضا يعزّز نموهما ونفوذهما الاقتصادي، خصوصا في مجال المعلومات، فقد باتت شركات كثيرة، ورواد أعمال كثيرون، يعتمدون، بشكل شبه كلي، على الشبكة العنكبوتية، لإنجاز أعمالهم.

ويكفي أن نتابع شركاتٍ، مثل “أمازون” و”آپل” و”أوبر” وغيرها، لنعرف حجم المعاملات اليومية ورؤوس الأموال والاستثمارات التي تتم لصالح هذه الشركات، أو عن طريقها، عبر الإنترنت.

ومن الأرقام الدالة عن حجم التحول في السوق العالمية وعلاقة ذلك بالإنترنت، أنه في العام 2006 كانت ثلاث شركات من أصل أكبر ست شركات عالمية، تعمل في مجال النفط، أما اليوم فلا توجد سوى شركة نفط واحدة فقط، والبقية شركات تعمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، لعل أبرزها “فيسبوك” ومحرّك البحث “غوغل” و”تويتر”.

في الوقت نفسه، يتحدث بعضهم عن أن مستقبل صناعة الإنترنت سيتركز في الصين والهند، ليس فقط لارتفاع عدد مستخدمي الشبكة العنكبوتية في البلدين (771 مليوناً و481 مليوناً على الترتيب)، لكن أيضا لأنهما يسيطران على جزء كبير من سوق الفضاء الإلكتروني.

فمثلا، يبلغ حجم المعاملات المصرفية من خلال تطبيقات الهاتف المحمول في الصين فقط حوالي تسعة تريليونات دولار سنوياً، مقابل 49 مليار دولار فقط في الولايات المتحدة.

وبينما تنشغل الدول العربية بمعارك بدائية، مذهبية أو طائفية أو إثنية، فإن ثمّة صراعاً من نوع آخر يجرى على قمة النظام الدولي، وسوف يكون له تأثير كبير على مصير هذه البلدان لعقود مقبلة.

  • د. خليل العناني أستاذ العلوم السياسية الزائر بجامعة جونزهوبكنز الأميركية.

المصدر: «العربي الجديد»

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة