الجزائر… موت السياسة

محمود زين الدين17 مارس 2022آخر تحديث :
الجزائر

السياسة تصنع الرأي وتفحص المواقف، والإنصات إلى الآخر حكمة، والحكمة تقول إن “الرأي قبل شجاعة الشجعان”.
كان يفترض أن يتم البناء على استحقاقات الحراك الشعبي ومطالبه بالتغيير، وعلى عوامل الثقة في المجتمع السياسي، لا الخوف منه.
لم يعد الجزائريون يسمعون خطاباً مشبعاً بالثقافة السياسية. المجتمع الذي يشهد موت السياسة، ويهمش فيه الرأي النقدي، يغرق في كيس حليب ويسبح في قنينة زيت.
لا نشاط ولا نقاش سياسيَّين لا بفضاءات عامة ولا حزبية ولا إعلامية خاصة ببلد خرج من حراك شعبي سلمي كان لحظة مشرفة في المطالب وأشكال التعبير السلمي.
* * *

بقلم: عثمان لحياني
ثمة موت للسياسة في الجزائر. لم تعد البلاد تحفل بالنشاط والنقاش السياسيَّين الضروريَّين، لا في الفضاءات العامة ولا الحزبية ولا الإعلامية، خصوصاً بالنسبة إلى بلد خرج لتوه من حراك شعبي سلمي، كان لحظة مشرفة في المطالب وأشكال التعبير السلمي بكل المقاييس.
كان يفترض أن يتم البناء على استحقاقات الحراك الشعبي ومطالبه بالتغيير، وعلى عوامل الثقة في المجتمع السياسي، لا الخوف منه. قبل نحو أسبوع، اشتكى رئيس أكبر كتلة معارضة في البرلمان، رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري، من أنه لم يعد يُسمح باستضافة قيادات الحزب في القنوات الإعلامية، العمومية والمستقلة.
الحقيقة أن هذا الأمر، على سبيل المثال، لم يكن بحاجة إلى إعلانه، لأن أي ملاحظ في الجزائر يمكن أن يرصد غياباً لافتاً لقادة الأحزاب والفاعلين في المجتمع السياسي عن القنوات، ويلمح ضمور النقاشات السياسية الجادة والحقيقية، التي مكانها الطبيعي الفضاءات الحزبية والإعلامية وغيرها، وهذا أمر غير طبيعي بالمطلق.
حتى شباب الحراك الشعبي الذين رغبوا في التنظّم وإنشاء إطار حزبي للدخول إلى العمل السياسي، منعوا من ذلك. ترفض السلطة اعتمادهم، وتمنعهم من حقهم الدستوري في النشاط والتنظّم، كما لو أن السلطة لا ترغب في الإقرار بوجود الأحزاب التقليدية على اختلاف تياراتها، ولا في السماح ببروز كتلة سياسية جديدة من الشباب المتشبع سياسياً بروح التغيير، مع أن خطابات كثيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، في بداية عهدته السياسية، كانت تدعو إلى ذلك.
السلطة نفسها لم تعد تمارس السياسة، ولو بشكلها التقليدي في التعامل مع القضايا والمطالب والأطراف السياسية والمدنية. وإذا استمر الأمر على هذا النحو، فستتحول السلطة إلى شباك إداري، يلهث وراء القوانين والتشريعات وضخ الهياكل في جسم الدولة.
لا يمكن الرهان على إقلاع اقتصادي من دون نقاش سياسي للخيارات، لكي لا تتكرر التجارب الخائبة، التي كان دائماً في صلب مسبباتها انفراد السلطة برسمها وتقديرها. قد تكون نوايا كثيرة، لدى تبون أو غيره في السلطة، طيبة في إحداث تغيير بأدوات تدبير السياسات العامة، لكن اقتصار هذا التغيير في بعض المسارات الإدارية لن يكون كافياً، وهو في الحقيقة تدوير للعبة على نفس المساحة ليس إلا.
لم يعد الجزائريون يسمعون خطاباً مشبعاً بالثقافة السياسية. المجتمع الذي يشهد موت السياسة، ويهمش فيه الرأي النقدي، يغرق في كيس حليب ويسبح في قنينة زيت. السياسة تصنع الرأي وتفحص المواقف، والإنصات إلى الآخر حكمة، والحكمة تقول إن “الرأي قبل شجاعة الشجعان”.

* عثمان لحياني كاتب صحفي جزائري
المصدر: العربي الجديد

موضوعات تهمك:

هل ساعد التنسيق الجزائري المصري في تحقيق المخرجات الأخيرة في ليبيا؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة