ازدهار الدبلوماسية التركية: لا بديل من «الحياد البنّاء»

محمود زين الدين3 أبريل 2022آخر تحديث :
الدبلوماسية التركية

من المرجّح أن ترفض أنقرة سياسة الحوافز الأميركية والأوروبية، وتفضّل البقاء على الحياد.
حتى معارِضو إردوغان يرون أن موقف تركيا المحايد «سليم جدّاً» و«يتلاءم مع مصالحها الوطنية»
تبدو تركيا كما لو أنها تحاول إثبات قدرتها على أن تكون قطبا في سياق التنافس بين القوى الكبرى.
لا تبدو تركيا، في موقفها المتوازن إزاء الحرب الروسية الأوكرانية على خطّ «التهوّر» الذي انتهجته خلال السنوات الماضية، في غير ملفّ وقضية.
رغم دعم تركيا لأوكرانيا بأشكال متعدّدة فإنها ترفض الانخراط في العقوبات الغربية على روسيا كما تتصدّى للتوسّط بين موسكو وكييف.
تحظى الوساطة التركية برضًى متزايد، لا لدى روسيا فقط بل في الداخل التركي أيضاً، وتتعالى الإشادات بموقف أنقرة «السليم جدّاً»، حتى بأوساط معارضي إردوغان.
* * *

بقلم: محمد نور الدين
تتقدّم تركيا على طريق ترسيخ تمايزها إزاء العديد من القضايا والملفّات، وأحدثها الحرب بين جارَين وصديقَين وشريكَين لها، هما روسيا وأوكرانيا. وإذا كانت هذه الحرب قد قرّبت المسافات وأزالت بعض التشقّقات بين جناحَي «حلف الأطلسي»، الولايات المتحدة وأوروبا، فقد بدت أنقرة كما لو أنها تغرّد خارج السرب.
فمن جهة، دافعت عن «المقاومة» الأوكرانية، وندّدت بالعملية العسكرية الروسية، كما وقفت إلى جانب «الناتو» في قراراته السياسية، إلّا أنّها، من جهة أخرى، رفضت العقوبات واستمرّت في علاقاتها مع روسيا، كما تصدّت لقيادة وساطة بين موسكو وكييف، الأمر الذي لم يلْقَ، حتّى الآن، معارضة واضحة من جانب العواصم الأطلسية والأوروبية. وتبدو تركيا، في موقفها المتوازن هذا، كما لو أنها تحاول إثبات قدرتها على أن تكون قطباً، ولو أصغر، في سياق التنافس بين القوى الكبرى.
وفي هذا السياق، يستذكر العديد من الكتّاب الأتراك تاريخ كلّ من روسيا وتركيا، على أنه صراع مع الغرب وليس تعاوناً، إذ ترى الكاتبة إيفرين بلطه أن البلدَين كانا هدفَين للقوى الغربية، التي طالما سعت للإيقاع بينهما لتكون هي المنتصرة في النهاية. وتلفت بلطه إلى أن أنقرة تنظر بريبة إلى الغربيين، الذين عرّضوا أمنها القومي للخطر، من خلال دعمهم للأكراد في سوريا.
أمّا موسكو، «فقد نظرت إلى النظام في سوريا كمُحافظ على وجود الدولة، كما ترى أن نظاماً استبدادياً فيها أفضل بكثير من انهيار الدولة وتفكّكها إلى إثنيات ومذاهب». كذلك، تشير الكاتبة إلى أن الشعور المشترك بين روسيا وتركيا هو أن «الغرب يريد تمزيقهما، وهو ما ساهم في المواقف المتقاربة بينهما»، هذا فضلاً عن أن لديهما اعتقاداً بأن العالم ذاهب إلى عالم متعدّد الأقطاب، وإلى مرحلة «ما بعد الغرب».
وتعتقد بلطه أن «تمرير هذه النظرة داخل البلدَين، ما كان لينجح لولا طبيعة النظام السياسي فيهما، المؤسَّس على هيمنة الرجل الواحد من دون المرور الفعلي في مؤسّسات الدولة الأخرى». وللتدليل على «استقلالية» القرار التركي، تُذكّر الكاتبة بشراء أنقرة صواريخ «أس 400»، على رغم تعرّضها لعقوبات غربية بسبب ذلك.
وفي الوقت نفسه، «استمرّت تركيا في تزويد أوكرانيا بطائرات مسيّرة، على رغم اعتراضات وتساؤلات روسيا»، مضيفة أن «روسيا لم تتخلَّ عن مسار أستانا مع تركيا وإيران، على رغم أنها ممتعضة جدّاً من مسألة إدلب ووجود آلاف الإرهابيين فيها».
ولم تغيّر الحرب الأوكرانية كثيراً في المعادلة المتقدّمة، لكنها أعادت طرح تساؤلات عن مدى إمكانية استمرار تركيا في سياسة التوازن هذه، على المدى البعيد. ومع أن الأزمة بين موسكو وكييف وفّرت فرصة لأنقرة لتأجيل الإجابة عن تلك التساؤلات، عبر محاولة التوسّط بين العاصمتَين الصديقتَين، إلا أنه سيتعيّن عليها أن تجيب في نهاية المطاف.
وفي السياق، يعتقد الكاتب مراد يتكين أنه «كلّما طالت الأزمة الأوكرانية، زاد الضرر الذي تتعرّض له تركيا»، معتبراً أن «هذا الأمر يجب أن يعطي أنقرة سبباً إضافياً لعدم الانغماس في مغامرات من أجل ربح سريع وقصير».
ويرى يتكين أن «من المرجّح أن ترفض أنقرة سياسة الحوافز الأميركية والأوروبية، وتفضّل البقاء على الحياد»، مشيراً إلى أن «تركيا لا تزال تعاني من جهود الغرب لعرقلة صناعاتها الدفاعية، كما يضغط الغرب لإيجاد بديل من صواريخ إس 400، ويطلق شائعات عن بيعها لأوكرانيا، الأمر الذي نفته تركيا بشدّة».
من جهته، يحذر الخبير الاقتصادي المعروف، محوي إيغيلميز، من أن «ارتفاع أسعار الطاقة، وكسر سلسلة التوريد، وعدم توفّر السلع والخدمات، كما زيادة البنوك المركزية الغربية لأسعار الفائدة، ستكون لها آثار خطيرة على الاقتصاد التركي»، لافتاً إلى أن «تركيا تحتاج إلى الاقتراض الخارجي، لأنها تعاني من عجز في الحساب الجاري».
وكنموذج من تلك الآثار، يبيّن أنه «لو توقّف سعر برميل النفط عند مئة دولار فقط، فإن الكلفة الإضافية على تركيا ستكون على الأقلّ 15 مليار دولار». مع ذلك، يرى إيغيلميز أن استغلال الفرص التي توفّرها «اتفاقية مونترو»، والبقاء على الحياد في الأزمة الراهنة، هما الموقف «الأكثر صوابية» في السياسة الخارجية، خلال الأعوام العشرين الماضية.
كما يَعتبر أن «القيود المفروضة على الروس في العالم، ستترك أثراً إيجابياً على السياحة في تركيا، حيث لن يبقى للروس سوى هذا البلد للمجيء إليه». إلّا أنه ينبّه، في الوقت ذاته، إلى أن «انخفاض قيمة الروبل سيؤثّر على السائحين من ذوي الدخل المحدود، بينما سيتّجه الأغنياء الذين كانوا يفضّلون سواحل إيطاليا وفرنسا وإسبانيا، إلى سواحل تركيا، بسبب القيود الغربية».
أمّا أليف جوشكون فيكتب في صحيفة «جمهورييت»، أن «حلف شمال الأطلسي» يبدو مسروراً، حتى الآن، من مسار الحرب، حيث تبدي أوكرانيا «مقاومة» لم يتوقّعها الروس. كذلك، يبدي الغربيون ارتياحاً لعودة «اللُّحمة» بين جناحَي الأطلسي، خصوصاً بعدما اعتبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، أن الحلف ميّت سريرياً. وعلى الرغم من العداء الإيديولوجي والسياسي الذي يكنّه العديد من الكتّاب الأتراك لسلطة رجب طيب إردوغان، وجوشكون واحد منهم، إلا أنه يصف موقف تركيا المحايد بأنه «سليم جدّاً»، معتبراً أن «أنقرة، في وساطتها بين موسكو وكييف، هي الآن في موقع نادر. واستمرارها في المحافظة على هذا الموقف، يتلاءم مع مصالحها الوطنية».
* محمد نور الدين كاتب وباحث لبناني في الشأن التركي
المصدر: الأخبار – بيروت

موضوعات تهمك:

هل زيارة رئيس إسرائيل إلى تركيا تعني “التطبيع” معها؟

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة