كيغان يختار «نيابة عن البشرية»!

اختار كيغان للعالم وبالنيابة عنه، أمريكا «البريئة» لأنها «يقينًا» أفضل من يتولى «الهيمنة»!
«الهيمنة» الأمريكية عند روبرت كيغان فهى قدر ومكتوب! فهى ببساطة أن نفوذ القوة العظمى يقوم بالأساس على «قوة الجاذبية»!
اقتحام حلف الناتو لمجال روسيا الحيوى ناتج عن رغبة دول أوروبا الشرقية التي جذبها «النموذج الأمريكى للثراء والديمقراطية»، لا عن رغبة ولا سياسة أمريكية.
غطرسة كيغان لا تخطئها العين. فأمريكا «كثيرًا ما تجد نفسها متورطة بأوروبا» لأنها تقدم «نموذجًا جذابًا للعالم، وهو يقينًا الأفضل إذا ما قُورن بأى بديل واقعى».
* * *

بقلم: منار الشوربجي
وكأن غزو العراق لم يكن كافيًا. فلايزال المحافظون الجدد الذين نظّروا لغزو العراق يقدمون روشتة تدفع نحو المزيد من الدمار في العالم. فأحد أهم رموزهم، روبرت كيغان، كتب الأسبوع الماضى مقالا يدافع فيه عن بلاده، ويعفيها من أي مسؤولية دولية.
والمقال تنويعة جديدة على فكرة أمريكا «البريئة» بالمطلق، والتى يقترب دورها من أن يكون «رغمًا عنها» إذ «كُتب عليها أن تتولى قيادة العالم! وهى كلها أفكار جوهرية في الثقافة السياسية الأمريكية يغذيها دعاة الحروب».
يقول كيغان إنه ينبغى لأمريكا أن تستخلص من غزو روسيا لأوكرانيا الدرس الصحيح. فما يقال عن أن سببها الرئيسى هو توسع حلف الأطلنطى شرقًا الذي اعتبرته روسيا تهديدًا لأمنها القومى هو محض افتراء.
فالسبب الحقيقى، عنده، هو أن روسيا، بعد انهيار الاتحاد السوفياتى، لم تفعل مثلما فعلت بريطانيا وفرنسا واليابان بعد انهيار إمبراطورياتها، عندما قبلت كل منها الهزيمة ورضيت بالأمر الواقع وتكيفت معه!
وما جرى بأوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتى لم يكن بفضل سياسات اتبعتها الولايات المتحدة بقدر ما كانت نتيجة «الهيمنة» الأمريكية، التي يُعرفها كيغان بأنها مجرد «حالة» تصف الواقع وليست هدفًا. فالهيمنة، كما يقول، تختلف عن «الإمبراطورية». فالثانية ناتجة عن سياسات تهدف لإجبار الدول الأخرى على الدوران في فلكها.
أما «الهيمنة» عنده فهى قدر ومكتوب! فهى ببساطة أن نفوذ القوة العظمى يقوم بالأساس على «قوة الجاذبية»! فاقتحام حلف الأطلسى (الناتو) للمجال الحيوى لروسيا كان ناتجًا عن رغبة دول أوروبا الشرقية التي جذبها «النموذج الأمريكى للثراء والديمقراطية»، لا عن رغبة ولا سياسة أمريكية.
هنا، يخلط كيغان بين مفهومى الهيمنة والقوة الناعمة، أي جاذبية الثقافة والتاريخ. أكثر من ذلك، فقد قدم كيغان تعريفًا فريدًا للمجال الإقليمى للدولة. فالمجال الإقليمى، عنده، ليس أمرًا ثابتًا ولا تخلقه الجغرافيا ولا التاريخ وإنما «يُكتسب بالقوة العسكرية والاقتصادية والسياسية».
وهو تعريف فريد لأن المجال الإقليمى للدولة مرتبط بأمنها القومى ويمثل عمقها الاستراتيجى، وإلا لما كان هناك ما يسمى في القانون الدولى «المياه الإقليمية» ولا «المجال الجوى» للدولة، بل ولما برز في تاريخ أمريكا نفسها ما يُعرف بمذهب مونرو الذي اعتبر أمريكا اللاتينية منطقة نفوذ للولايات المتحدة على القوى الأخرى ألا تقترب منها.
وحين يحاول كيغان أن يدافع عن تعريفه هذا فإنه في الحقيقة يفعل العكس. إذ يقول إن مبدأ مونرو كان حبرًا على ورق إلى أن استطاعت أمريكا أن «تُجبر» القوى الأخرى على قبوله. وهو بذلك يبرر ما تفعله روسيا اليوم بالضبط إذ تحاول «إجبار» أوكرانيا بالقوة المسلحة على عدم الانضمام للناتو.
أما الخطأ الذي ارتكبته أمريكا، عند كيغان، فكان أنها لم تتدخل قبل سنوات حين كانت روسيا أضعف، أي حين هاجمت روسيا جورجيا ثم استولت على جزيرة القرم. وعليه، يرى كيغان أن الدرس الأهم من غزو أوكرانيا هو أن تعترف أمريكا لنفسها بأن مصلحتها هي الحفاظ على النظام الدولى الحالى، ومن ثم على أمريكا ألا تعير بالًا لاحترام المجال الإقليمى لروسيا ولا المجال الإقليمى للصين أيضًا. وعلى أمريكا أن تتبع هذه السياسة الآن وليس غدًا.
ويُنهى كيغان مقاله بعبارة ذات دلالة، تنطوى على غطرسة لا تخطئها العين. فأمريكا «كثيرًا ما تجد نفسها متورطة بأوروبا» لأنها تقدم «نموذجًا جذابًا للعالم، وهو يقينًا الأفضل إذا ما قُورن بأى بديل واقعى». باختصار، اختار كيغان للعالم وبالنيابة عنه، أمريكا «البريئة» لأنها «يقينًا» أفضل من يتولى «الهيمنة»!.
* د. منار الشوربجي أستاذ العلوم السياسية المساعد، باحث في الشأن الأمريكية
المصدر: المصري اليوم

موضوعات تهمك:

جِراح السكان الأصليين

قد يعجبك ايضا