غباء الرقيب .. ثانية

بعض الكتب تحديدا ستبقى دليلا إضافيا في مكتبتي على غباء فكرة الرقابة على الكتب دائما!
أريد تفسير ما صاحب صدور بعض الكتب من ضجّةٍ لا تستحقها، بعد مضي فترة كافية لتوقف الضجّة، أو لأسبابٍ أخرى!
يكفي أن يكون المؤلف فلان مغضوبا عليه من السلطات لكي يمنع كتابه!. يا له من منطق خالٍ من رائحة المنطق. ومع هذا، يبدو هو السائد فعلا.
تأكّدت من بعض آليات عمل الرقيب على الكتب فهو يُدخل في عمله كل ما يمكن أن يعينه على المنع وحسب وكأنه يتحصّل على مكافأة مالية تزيد بزيادة عدد ما يمنعه!

* * *

بقلم: سعدية مفرح

أعيد تصفح بعض الكتب التي سبق أن انتهيت من قراءتها لأسبابٍ لا تتعلق بمقدار ما تحصلت عليه من متعة في أثناء القراءة الأولى دائما، بل لأنني أريد تفسير ما صاحب صدورها من ضجّةٍ لا تستحقها، بعد مضي فترة كافية لتوقف الضجّة، أو لأسبابٍ أخرى!
قبل أيام، سحبتُ من رفّ الكتب التي قرأتها ولم أكمل قراءتها كتابا من ذلك النوع. كان قد صدر فمنعه رقيب وزارة الإعلام من التداول، ومنع عرضه في معرض الكتاب وفي المكتبات أيضا.
يومها كنت أتجوّل في المعرض عندما صادفت مؤلف الكتاب، وهو شاب مشاكس في كتاباته على منصّات التواصل الاجتماعي، فتحدّثنا عن كتابه الأول وأسباب منعه، وانتهى اللقاء بنسخةٍ من الكتاب سحبها من تحت طاولة البيع بعيدا عن الأعين، وكتب إهداء لطيفا عليها ثم مهرها بتوقيعه، وسلّمني إياها.
عدتُ من المعرض، وكان ذلك الكتاب أول ما اخترته للقراءة من بين كتبٍ كثيرةٍ جدا كنت قد حصلت عليها من المعرض يومها. من الواضح أن فكرة المنع هي ما حرّضني على البدء بقراءة ذلك الكتاب الذي لم أتجاوز بعض صفحات منه، حتى اكتشفت أنه ليس من النوع الذي يُعجبني.
لكنني تحاملتُ على نفسي، وأكملت قراءة كل صفحاته، لأقف على السبب الذي جعل الرقيب يمنعه من التداول ومن العرض في المكتبات والمعارض، وفشلت في معرفة السبب.
اتصلت لاحقا بالمؤلف الشاب لأسأله عن سبب منع كتابه، فقال إن أحدا لم يبلغه رغم محاولاته، وأنه لم يحصل بعد على تقرير المنع، ولا يدري إن كان سيحصل عليه أم لا.
يضم الكتاب نصوصا وخواطر شعرية لطيفة في معظمها، وهي بعيدةٌ عن أجواء كتابات ذلك الشاب النقدية ذات الطابع السياسي في حساباته على منصّات التواصل الاجتماعي.
أما لماذا وضعته منذ تلك الليلة في رفّ الكتب التي لم أكمل قراءتها في مكتبتي، فلأنني كنت أودّ العودة إليه لاحقا فقط لأعرف لماذا مُنع تحديدا، ونسيته في ذلك الرفّ المهمل، حتى صادفته قبل أيام.
فقرّرت إعادة قراءته، أو تصفحه على الأقل، لعلي أنجح، هذه المرّة، في معرفة السبب الذي جعله أحد أشهر كتب معرض ذلك العام، بعد أن منعه الرقيب.
ثم اكتشفت شيئا جديدا في القراءة السريعة، ولكنني تأكّدت من بعض آليات عمل الرقيب على الكتب، فهو يُدخل في عمله كل ما يمكن أن يعينه على المنع وحسب، وكأنه يتحصّل على مكافأة مالية تزيد بزيادة عدد ما يمنعه.
وبالتالي، لا يكون في حاجةٍ لأسباب حقيقية للمنع، وفقا للمنطق المتعارف عليه، على الرغم من أنني لا أرى أي منطق في المنع أساسا، ولكنه، كما بدا لي، يمنع كل ما يقع بين يديه من الكتب، ثم يبحث عن أسباب لفسح بعضها، أي أن المنع لديه هو الأساس.
أما وقد صادف على غلاف الكتاب اسما عرف بالمشاكسة السياسية في كتاباته فهذا مما يجعله يطير فرحا، لأنه حصل على سبب كبير للمنع، بغض النظر عن احتواء الكتاب أي عبارات ممنوع نشرها أو خلوه منها مثلا.
يكفي أن يكون المؤلف فلان الفلاني المغضوب عليه من السلطات لكي يمنع كتابه!. .. يا له من منطق خالٍ من رائحة المنطق. ومع هذا، يبدو هو السائد فعلا.
أعدتُ الكتاب إلى الرفّ، رغم أنني عادةً أحاول توزيع الكتب التي أعلم أنني لن أعيد قراءتها لاحقا على الآخرين حولي، فهذا الكتاب تحديدا سيبقى دليلا إضافيا في مكتبتي، على غباء فكرة الرقابة على الكتب دائما!

* سعدية مفرح كاتبة صحفية وشاعرة كويتية
المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

عن أي أزمة نتحدث؟

قد يعجبك ايضا