حل الدولتين أصبح مستحيلا

على العالم والفلسطينيون المؤمنين بالتسوية البحث عن حل بديل وإلا فالمنطقة ذاهبة الى مزيد من الاشتباك والعنف.

في الوقت الذي أصبح فيه «حل الدولتين» مستحيلاً ولا يمكن تطبيقه، فإن حل الدولة الواحدة أصبح كذلك أيضاً.

الاحتلال أغلق كل المنافذ التي يمكن أن تؤدي إلى حل سياسي وتبنى سياسة تقوم على التهام الأرض الفلسطينية وتذويب شعبها الأصلي.

مع تجليات فشل مشروع التسوية، وتعرقل المفاوضات وتعطل السلطة الفلسطينية، اتضح أنها لم تكن مقدمة لبناء الدولة بل مشروع حكم ذاتي ولن يقبل الاحتلال بأكثر من ذلك.

الاحتلال غيّر الوقائع على الأرض بالعدوان على البشر والحجر والشجر وخلال العقدين الماضيين لم تعد أراضي 1967 المحتلة التي يدور الحديث عنها موجودة أصلاً.

* * *

بقلم: محمد عايش

ثمة جدال نخبوي واسع في أوساط الفلسطينيين والإسرائيليين، على حد سواء، حول صيغة الحل الممكنة للصراع، وما إذا كان الحل الأنسب هو «حل الدولتين» أو «الدولة الواحدة» إذ الصيغة الأولى هي التي أقرها المجتمع الدولي واعترف بها العالم منذ قرار تقسيم فلسطين في عام 1947، بينما يتمسك بعض المثقفين بالصيغة الثانية التي تتلخص في «دولة ديمقراطية» تتسع للجميع.
هذا الجدل ليس جديداً وإنما هو تاريخي وقديم، لكنه يتجدد كلما طرأ حدث ما، أو ظهرت معطيات جديدة، كما أن هذا الجدل تجدد في السنوات الأخيرة، مع تجليات فشل مشروع التسوية، وتعرقل المفاوضات وتعطل السلطة الفلسطينية، واتضاح أنها لم تكن مقدمة لبناء الدولة، وإنما هي مشروع للحكم الذاتي ولن يقبل الاحتلال بأن تكون أكثر من ذلك.
والصحيح أنه بالنظر إلى واقع الحال في فلسطين، فإن حل الدولتين أصبح أمراً مستحيلاً، بل بات حلماً أقرب إلى الخيال ولا يمكن تطبيقه، والسبب في ذلك أن الاحتلال قام بتغيير الوقائع على الأرض، عبر العدوان على البشر والحجر والشجر، وخلال السنوات العشرين الماضية، لم تعد الأراضي المحتلة عام 1967 التي كان يدور الحديث عنها موجودة أصلاً، إذ تم تغيير واقعها الديمغرافي والجغرافي بشكل جذري واستراتيجي، بما يجعل من غير الممكن أن تقوم عليها أي دولة فلسطينية مستقلة.
في عام 2003 بدأت اسرائيل تستثمر في التحولات الدولية، فاستفادت من الفترة التي تلت هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، بأن قامت بالتحريض ضد الفلسطينيين ووصف «الانتفاضة» بأنها «عمل إرهابي» واستفادت من فترة حكم الرئيس جورج بوش الابن، عندما كانت الإدارة الأمريكية معادية للفلسطينيين.
وشنت بعد ذلك أكبر عملية تغيير تستهدف الواقع الفلسطيني، وذلك عبر اجتياح جديد وكامل للأراضي التي يُفترض أنها خاضعة للسلطة الفلسطينية (عملية السور الواقي) ثم قامت ببناء جدار الفصل العنصري على حساب الأراضي الفلسطينية.
واغتصبت آلاف الدونمات من أراضي الضفة الغربية، لبناء المستوطنات وفتح عشرات الطرق الالتفافية المخصصة للمستوطنين، وهو ما يعني بالضرورة تفتيت الاتصال الجغرافي بين المدن الفلسطينية، وتقطيع أوصال الضفة وجعل الفلسطينيين محاصرين في تجمعات أو «كانتونات» معزولة بدلاً من أن يكونوا مجتمعاً متصلاً ومترابطاً، وشعباً يعيش على أرضه التي يريد أن يبني عليها دولته المستقلة.
في الضفة الغربية يوجد اليوم أكثر من 475 ألف مستوطن إسرائيلي، يشكلون نحو ربع سكانها، ويتوزعون على 151 مستعمرة، هذا فضلاً عن بؤر استيطانية متعددة وغير منظمة وسلطات الاحتلال ذاتها تعتبرها غير قانونية (علماً بأن الاستيطان بكل أشكاله عمل غير قانوني وتجرمه الأمم المتحدة).
واللافت أن الاستيطان تضخم بنسبة 12% فقط خلال السنوات الأربع الأخيرة، أي بعد صدور قرار الأمم المتحدة رقم (2334) الذي يعتبر الاستيطان انتهاكا للقانون الدولي، ويطالب الإسرائيليين بوقفه على الفور.
الاستيطان والجدار الفاصل والحواجز العسكرية وحصار غزة، وغير ذلك من إجراءات الاحتلال، أدى إلى خلق واقع جديد على الأرض الفلسطينية يجعل من المستحيل معه أن تقوم دولة مستقلة قابلة للحياة، بل يهدف إلى جعل الفلسطينيين أقلية عرقية، أو تجمعات سكانية في دولة كبيرة، يُطلق عليها «إسرائيل» وهذا يعني أن «حل الدولتين» أصبح اليوم مستحيلاً.
ما حدث خلال السنوات العشرين الماضية، هو أن إسرائيل أعدمت أي فرصة للتوصل إلى حل يقوم على بناء دولتين جارتين تعيشان بسلام، وبينما كانت المفاوضات متعطلة والعملية السياسية تراوح مكانها من دون جدوى، كان الاحتلال يقوم باغتصاب الأرض الفلسطينية وتغيير معالمها.
خاصة في مدينة القدس التي تنص القرارات الدولية على أن الشطر الشرقي منها سيكون عاصمة الدولة الفلسطينية، إذ قام الاحتلال بهدم وتدمير 975 مبنى فلسطينياً خلال عام 2020 تبين أن 30% منها في القدس.
المؤسف أنه في الوقت الذي أصبح فيه «حل الدولتين» مستحيلاً ولا يمكن تطبيقه، فإن حل الدولة الواحدة أصبح كذلك أيضاً، إذ سنت إسرائيل في منتصف عام 2018 قانوناً أساسياً تحت اسم (قانون الدولة القومية لليهود في إسرائيل) وهو القانون الذي يعني أيضاً إعدام أي فرصة في تأسيس دولة ديمقراطية واحدة كحل للصراع الذي تشهده الأرض الفلسطينية منذ عقود.
والخلاصة هو أن الاحتلال أغلق كل المنافذ التي يمكن أن تؤدي إلى حل سياسي، وتبنى سياسة تقوم على التهام الأرض الفلسطينية وتذويب شعبها الأصلي، ومنع أي فرصة ولو في المستقبل لتأسيس دولة مستقلة لهم على أرضهم، ولذلك فعلى العالم ومعه الفلسطينيون المؤمنون بالتسوية أن يبحثوا عن حل بديل، وإلا فإن المنطقة ستكون ذاهبة الى مزيد من الاشتباك والعنف.

* محمد عايش كاتب صحفي فلسطيني
المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

هل السلطة الفلسطينية في خطر؟

قد يعجبك ايضا