أذربيجان وأرمينيا .. الصراع على الإقليم الغني

شهدت عشرينيات القرن الماضي صراعاً أرمنياً أذريّاً كان سببه الأساس القائد الثاني للإتحاد السوفيتي جوزيف ستالين, الذي عمل على تطبيق سياسة التفريق بين الإثنيات وإشعال نار العداء بينها وتفتيت قواها.

 

فقد عمل الإتحاد السوفيتي على ضم الأقلية الأرمنية (سكان كاراباخ) داخل حدود أذربيجان عام (1923) ضمن حدود إداريّة مرسمة تحيط بها الأراضي الأذربيجانية بشكل كامل في ظل معارضة السكان لهذا المخطط ورغبتهم بالتبعية الأرمنية, على أن الأقلية الأذربيجانية في إقليم “ناختشيفان” تظل معزولة داخل جمهورية أرمينيا, كما عمل الإتحاد السوفيتي على منح الحكم الذاتي ل (كاراباخ), الأمر الذي كان فتيلاً لصراع شرس ستشهده المنطقة في السنين القادمة.

بعد تفكك الاتحاد السوفيتي في 25-ديسمبر-1991, أعلن الانفصاليون في إقليم “كاراباخ” في مطلع 1992 الاستقلال عن أذربيجان, واندلعت حرب طاحنة أواخر شتاء 1992. ولم تتمكن المنظمات الدولية من احتواء الصراع، وفي ربيع 1993 توسعت سيطرة القوات الأرمنية على خارج المناطق المتقاربة بما يعادل 9% من الأراضي الأذربيجانية، وقد وضعت روسيا حلاً لوقف الصراع تم التوقيع عليه في أيار / مايو1994، بواسطة مؤتمر الأسس الأمنية والتعاونية الأوروبية (مجموعة مينسك)، وقد عقدت من جانب أرمينيا و أذربيجان, وحصد الصراع أرواح ما يزيد عن خمسة وثلاثين ألف شخص، وتسبب في تشريد حوالي مليون آخرين.

ولكن الإقليم الذي يقع في قلب القوقاز والقريب من منابع نفط بحر قزوين, يزيد من تشابك وتصادم المصالح الإقليمية والدولية بين الولايات المتحدة وروسيا وإيران وتركيا عليه, بالإضافة إلى اللاعبين الأساسيين في الأزمة أرمينيا وأذربيجان وقادة قره باغ, الأمر الذي حال دون إخماد نار الصراع بشكل كلي.

فاستمرت مناوشات بين الحين والآخر على الحدود, سقط جراءها قتلى وجرحى ولطالما اقترب البلدين من حافة حرب شاملة ولكن سرعان ما يتدخل الوسطاء لإخماد نار الصراع المتأججة.

انفجر الصراع صباح 27 سبتمبر 2020,  حيث شهدت المنطقة الحدودية اشتباكات عنيفة بين القوات الأذربيجانية والأرمنية, وأعلن كلا الجانبين عن سقوط ضحايا عسكريين ومدنيين, وعلى إثرها أعلنت أرمينيا الأحكام العرفية والتعبئة العامة في البلاد, بينما فرضت أذربيجان الأحكام العرفية وحظر التجول, تبعها إعلان التعبئة الجزئية في أذربيجان.

ويميز الصراع الدائر بين الطرفين كثرة تبادل الإتهامات, فتتهم أرمينيا السلطات التركية بإرسال مرتزقة من شمال سوريا دعماً للقوات الأذربيجانية.

وقال رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان في مقابلة مع صحيفة “لو فيغارو” الفرنسية إن تركيا تتدخل عسكرياً في المعارك إلى جانب أذربيجان عبر نقل “آلاف المرتزقة والإرهابيين من المناطق التي يحتلها الأتراك في شمال سوريا”.

وكانت موسكو قد تحدثت عن أن مقاتلين من سوريا وليبيا يشاركون في النزاع الدائر، حيث نشرت تركيا آلاف المسلحين السوريين خلال الأشهر الماضية في منطقة الصراع.

وقال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في وقت سابق, أن هناك “قلقاً بالغاً على خلفية معلومات واردة بشأن انخراط مقاتلي جماعات مسلّحة غير شرعية من الشرق الأوسط في الأعمال الحربية”.

ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان وصول أكثر من 850 مقاتلا من فصائل سورية موالية لأنقرة إلى قره باغ منذ الأسبوع الماضي بعد انتقالهم من شمال سوريا إلى تركيا ومنها جواً الى المنطقة المتنازع عليها. ووصلت الدفعة الأولى المؤلفة من 300 مقاتل قبل اندلاع الاشتباكات، ثم الدفعة الثانية خلال الأسبوع الحالي.

وسرعان ما أتى الرد الأذري متهماً أرمينيا بالاستعانة بـ”مرتزقة” أرمن في القتال.

وقال حاجييف “نرى أن الجانب الأرميني يحاول جلب مرتزقة أجانب، خصوصاً من أصل أرميني، من دول ثالثة إلى أرمينيا للقتال ضد أذربيجان”.

وأضاف “إن أرمن من سوريا ولبنان ينتشرون حالياً في أرمينيا وهم في صفوف القوات المسلحة الأرمينية التي تقاتل ضد أذربيجان”.

وقالت الدائرة الإعلامية في جهاز أمن الدولة الأذربيجاني في وقت سابق, “تستخدم أرمينيا ضد أذربيجان مرتزقة أجانب، من بينهم مقاتلي الجماعات المسلحة الكردية، الذين قامت بتجنيدهم على أراضي العراق سوريا، قام جهاز أمن الدولة في أذربيجان باعتراض لاسلكي لاتصالات منتمين لحزب العمال الكردستاني، الذين يشاركون في العمليات العسكرية على أراضي أذربيجان”.

وكانت قد جرى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الطرفين تم التوصل إليه بوساطة أمريكية , ولكن سرعان ما خرقت الهدنة بعد إعلانها بدقائق, وتبادلت كل من أرمينيا وأذربيجان الاتهامات بانتهاك وقفٍ جديد لإطلاق النار.

تبعها إعلان وزارة الدفاع الأرمنية إن المدفعية الأذرية قصفت مواقع عسكرية في أنحاء متفرقة على الجبهة بعد بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار.

وقال حكمت حجييف، المتحدث باسم الرئيس الأذري، إن أرمينيا كانت تحاول “الحفاظ على الوضع القائم المبني على الاحتلال”، مضيفا أن “الجانب الأذري يمارس ضبط النفس”.

ويرى محللون أن رقعة النزاع اتسعت في الأيام الأخيرة بعد أن طال القصف مدنا كبرى بينها عاصمة الإقليم ستيباناكرت، وغنجه ثاني أكبر مدن أذربيجان.

وأعلنت وزارة الدفاع الأذربيجانية في وقت سابق أنها كبدت الانفصاليين خسائر فادحة ما أجبرهم على التراجع. وأكدت تدمير مخزن ذخيرة قرب ستيباناكرت، ومنصات صواريخ ومدفعية, كما أكد الطرفين سقوط 286 قتيلاً منذ اندلاع القتال بينهم 46 مدنيا.

وقال الناطق الصحفي باسم رئاسة “جمهورية قره باغ” الغير معترف بها, أمس، أن مقاتلي أحد فصائل المتطوعين الأرمن “قتلوا 20 من أصل 22 عنصرا من القوات الخاصة التركية في قتال وقع بمنطقة عسكران في الإقليم”، مشيرا إلى أن “اثنين فقط تمكنا من الفرار”.

ويشير الكاتب الباكستاني ألطاف موتي, أنه “يمكن للصراع في ناغورنو كاراباخ أن يعرض خطي الأنابيب للخطر: خط أنابيب النفط الرئيسي باكو – تبيليسي – جيهان وخط أنابيب الغاز العابر للأناضول, وقد تكون آمال أوربا في استغلال موارد بحر قزوين للحد من اعتمادها على مصادر النفط الخام الروسية في خطر”.

أما الخبراء العسكريون في العالم فينظرون إلى المعركة من وجهة نظر فنية, تترقب من ينتصر النموذج التقليدي الروسي الذي يتبعه الجيش الأرميني الذي انتصر في الحرب السابقة أم النموذج التركي الذي يسير عليه الجيش الأذربيجاني.

ويرى البعض أن أول مواجهة بين النموذجين كانت في إدلب, حيث استخدم الأتراك لأول المرة الطائرات المسيرة في الحروب بهذه الكثافة، وجاء ذلك رداً على مقتل 34 جندياً تركياً كانوا ضمن مهمة تركية في المحافظة وفقاً للاتفاقات الروسية التركية.

 

واتفقت أذربيجان وأرمينيا على اتخاذ “خطوات عاجلة” خاصة بالنزاع المسلح في إقليم ناغورني قره باغ بما في ذلك عدم استهداف المدنيين بشكل متعمد والمضي قدما في تبادل الأسرى وجثث القتلى.

ويرى البعض أن المعارك الدائرة بين الطرفين أوشكت على الإنتهاء, في ظل التدخلات المستمرة من القوى الكبرى لوقف إطلاق النار الذي تسبب بخسائر فادحة لكلا الجانبين, ولكن السؤال هنا: هل سيكون نتاج الصراع الأرميني الأذري بداية لخلط أوراق التحالفات الدولية؟ وهل ستكون ثروات الإقليم التي أججت خفيةً الصراع, طلقاً له أم أنها ستخضع للمحاصصة الإقليمية والدولية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

قد يعجبك ايضا