نساء بلا حقوق.. معاناة المحرومات من الميراث في صعيد مصر

مؤمن صالح31 أكتوبر 2021آخر تحديث :
نساء

المحتويات

نساء بلا حقوق.. معاناة المحرومات من الميراث في صعيد مصر

في صعيد مصر تُعاني الكثيرات من حرمانهن من الميراث، فقط لكونهن نساء، وقد يتزوجن من عائلة غريبة، فلا يقبل أهلها أن تُورث النساء وتذهب ممتلكات العائلة لأزواجهن الغرباء. وتحت براثن هذه الأفكار تُعاني النسوة من مشكلات مادية واقتصادية، فتيات يجدن أنفسهن دون حق في منزل بعد رحيل والدهن، أمهات يجدن أنفسهن مسؤولات عن أطفال بعد رحيل أزواجهن، بالإضافة إلى مشكلات غير متناهية مع العائلة حول الميراث.

تنازل بالإكراه

“كان والداي هما كل حياتي، لم أتزوج، وعشت في كنفهما وحيدة، بعد أن كان بيتنا ممتلئا بإخوتي الذكور، لكن جميعهم رحلوا بعد أن تزوجوا، ورفضت زوجاتهن أن يُقمن معنا في بيت العائلة، رغم أن والدي كان قد أعدّ شققا لسكن إخوتي في الأدوار العليا ببيتنا. في البدء رحلت أمي وبقيت وحدي مع أبي، لا أعرف لماذا لم أتزوج، البعض يقول إن إحدى زوجات إخوتي قد صنعت لي سحرا لعدم الزواج، صدقت لأنني لا أجد سببا آخر، فقد خُطبت عدّة مرات، لكن الأمر كان ينتهي قبل عقد القِران، كُنت أخشى على حياة أبي، كنت أرى كوابيس دائمة بأنه سيذهب ويتركني هو أيضا وسأمكث وحيدة، تخطيت الأربعين من عمري، وجاء يوم رحيله هو أيضا”، هكذا بدأت دينا.س، السيدة الأربعينية التي تعيش في إحدى محافظات صعيد مصر (جنوبا)، حديثها مع ميدان.

تُضيف دينا: “بعد وفاة والدي ظهرت هواجس إخوتي، أكد أحدهم أن الخُطّاب سيطرقون بابنا حتما الفترة القادمة طمعا في بيت العائلة الذي أُقيم فيه والأرض التي حوله، لم يكن أبي يهتم بالأرض، فقد كان شغله الشاغل هو تعليمنا وأن نحصل على شهادات جامعية، أما الأرض فتركها لأبناء عمومتنا يفلحونها ويحصدونها ويعطوننا -فقط- ربحها السنوي، لكن الأرض مُحيطة بالبيت، وكان إخوتي يتركون لي ربحها السنوي الذي لم يكن يتجاوز بضع مئات من الجنيهات بصفتي مُقيمة في بيت العائلة وأتولى نفقاته، ولكن بعد رحيل أبي، وجدت إخوتي يجتمعون في المنزل، طلبوا مني أن أوقع على تنازل عن حقي في البيت والأرض، وأن أحصل مُقابل هذا على ذهب أمي كاملا، قالوا إنني أولى بارتدائه من زوجاتهن الغريبات، لكن من ناحية أخرى، هم أولى ببيت أبيهم وأرضه من رجل غريب يأتي ليتزوجني ويصبح المتحكم فيهما”.

أخبرَتْهم دينا أن هذا الزوج قد طال انتظاره، وأنه قد لا يأتي أبدا، لكنهم ردوا بأنه إذا لم يأت فلتمكث في المنزل كيفما يحلو لها، لكنهم يريدون هذا التنازل، تأمينا لأنفسهم في حال زواجها، حتى لا يُسيطر عليها وعلى المنزل والأرض شخص غريب عنهم.

تقول دينا: “قال أحد إخوتي حينها جملة لا أستطيع نسيانها: إذا أتى أحد إخوتي (الذكور) وزوجته ليمكثوا في بيت أبي فلن أفتح فمي، لكنني لن أقبل أبدا أن تتزوج أختي وتُقيم وزوجها في بيت أبي، وأصبح أنا غريبا عن بيتي، أستأذن شخصا آخر عند دخوله. كانوا متأكدين أن الخُطّاب سيتقدمون للزواج مني بعد وفاة أبي فقط طمعا في البيت والأرض، وبالطبع في راتبي، لكنهم قالوا في النهاية بأنني حرة فيما يخصني، أُعطي زوجي راتبي أو مالي، لكن ما يخصهم لن يقبلوا بأن يذهب إلى هذا المجهول الذي لا يعلمونه”.

قبلت دينا ما طلبه منها إخوتها لأنها كانت تخشى الخلافات معهم، كانت تخشى أن يقول الجيران إنهم يتشاجرون على الميراث، تقول عن هذا: “لكنني أعرف أن زوجاتهم لن يقفوا عند هذه المرحلة، وقد بدأت أعدّ نفسي للخروج من بيت أبي، حتى دون زواج، أتخيل أنهم سيجتمعون مرة أخرى ويُخبرونني بأي قرار مفاجئ بعدما أصبح البيت يخصهم وحدهم، وأحمد الله أن أبي كان حريصا على تعليمي، فليس لدي الآن سوى وظيفتي وراتبي”.

خلال تصريحات صحفية سابقة، ذكرت المحامية مروة عبد الرحيم، المتخصصة في قضايا الميراث، أنه طبقا لإحصاءات رسمية فإن 10% فقط من سيدات الصعيد هن من يحصلن على حقوقهن في الميراث، وأشارت إلى أن بعض الأهالي قد ابتكروا قانونا عرفيا جديدا لميراث النساء في الصعيد، ألا وهو قانون “الرضوى”، وينص على أن يُقدِّم الوارثون الرجال مبلغا ماليا للوارثات النساء مقابل التنازل عن حقهن في الميراث.

أكدت عبد الرحيم على أن كثيرات من النساء يقبلن الرضوى المالية التي لا تتعدى ربع حقهن الشرعي في الميراث، بدلا من أن يُحرمن من الميراث كاملا، وخوفا من إثارة المشكلات مع العائلة(1).

محرومات من الميراث

ناهد.ع، امرأة خمسينية تقطن إحدى محافظات الصعيد، لديها ابنة واحدة، تدرس في عامها الأخير بالجامعة. كانت ناهد وزوجها يعملان مُدرسين للغة العربية منذ ما يزيد عن الثلاثين عاما، وخلال هذا العمر استطاعا بناء بيت يعيشان فيه وابنتهما، وشراء قطعة أرض، ووضع بعض المال في أحد البنوك، كانت كل ممتلكات الزوجين، رغم أنها بجهدهما المشترك، باسم الزوج، لم تجد ناهد غضاضة -قطّ- في هذا، فقد كانت تحب زوجها وتثق به.

لكن المفاجأة التي لم تكن في حسبانها هي أن يُتَوفّى زوجها فجأة، وأن يقف إخوته بالمرصاد لها ولابنتها مُطالبين بحقهم في الميراث، لدرجة أن أحدهم قال: “ماذا تفعلون بهذا البيت وأنتما امرأتان وحدكما؟ أم تراكما ستتزوجان وتأتيان بغريب يُقيم ويتمتع فيما شقي فيه أخونا؟!”. كان حكم إخوة الزوج الراحل هو أن تنتقل الأم وابنتها إلى شقة أصغر سيشترونها لهما، أما البيت والأرض فهم أحق بهما من الغريب، كانوا يُرددون على مسامع ناهد: “ماذا ستفعل المرأة والفتاة بالبيت والأرض، لن يُجيدا التصرف في هذه الأمور، ومؤكد أنهما ستبحثان عمّن يُجيد التصرف، نحن أولى من أي شخص آخر”.

تقول ناهد: “حاولت إخبارهم أن هذا ليس بمال أخيهم وحده، وأنني كنت أتشارك معه الجهد والعمل والادخار، لكنهم لم يسمعوا، أخبرتهم أنني لا أريد أبدا الزواج، وأي زواج هذا الذي سأبحث عنه وقد تجاوزت الخمسين من عمري، لكنهم لم يصدقوا، بل ردوا قائلين: [إذا لم تأتِ أنتِ بغريب يتصرف فيما كان لأخينا فستأتي ابنتك به، فمؤكد أنها ستتزوج، إن لم يكن هذا العام فسيكون العام التالي]، لم يكتفوا بكل هذا، بل أصبحوا يُلمحون بإرغام الفتاة على الزواج بواحد من أبناء عمومتها”.

مرّ عام على وفاة زوج ناهد، وجدت نفسها خلال هذا العام تتشارك ملكية منزلها وأرضها مع إخوة زوجها، بل وازداد على هذا مشكلات غير مُتناهية لرغبتهم في الاستيلاء على نصيبها الشرعي هي وابنتها.

أثبتت إحدى الدراسات بعنوان “ميراث المرأة في صعيد مصر بين الواقع والمأمول” أُجريت في محافظتَي سوهاج وقنا أن 95.5% من نساء الصعيد محرومات من الميراث. أكدت الدراسة، التي أعدتها الدكتورة سلوى محمد المهدي، مُدرّسة علم الاجتماع بكلية الآداب، أن هذه النسبة الضخمة لحرمان النساء من الميراث تحدث بسبب الثقافة السائدة بأن الميراث سينتقل إلى أشخاص أغراب عن العائلة في حالة منح النساء حقوقهن. اعتبرت الدراسة أن المرأة في المجتمع الصعيدي تُعاني الظلم والقهر بسبب ما تتعرض له من ممارسات العنف الاقتصادي، والتي تتمثل في حرمانها من حقوقها المالية(2).

خلال تصريحات صحفية سابقة، أشارت المهدي إلى أن دراستها شملت محافظتَي سوهاج وقنا لأن نسب “المرأة المعيلة” في هاتين المحافظتين من أعلى المعدلات على مستوى الجمهورية، حيث تصل نسبة النساء المعيلات في سوهاج إلى 24%، بينما تصل في قنا إلى 22%، شملت الدراسة 200 امرأة من النساء العاملات وغير العاملات ممن لهن ميراث مُستحق. وقد كشفت الدراسة أن 4.5% فقط من النساء المشمولات أخذن ميراثهن دون المطالبة به، وأن 59.5% حُرِمن من الميراث تماما(3).

لفتت الباحثة أيضا إلى أن هناك دراسة أخرى عن “التعداد الزراعي في مصر لعام 2000″، أظهرت أن النساء لا يمتلكن إلا نسبة ضئيلة من الأراضي مقارنة بالرجال، حيث تبلغ نسبة النساء المتملكات 7.5% من إجمالي النساء، وتبلغ جملة ممتلكاتهن 432 ألف فدان، بنسبة 5.1% من إجمالي الأراضي الزراعية.

تجارب قاسية

“الآن أنا أُعلّم بناتي أنه لن ينفعهن سوى تعليمهن ووظيفتهن، لن يقف بجوارهن سوى الله، فهو الأرحم بهن، أُعلمهن ألا ينتظرن شيئا، لا من خال ولا من عم، حتى لا يقتلهن الشعور بالخِذلان” هكذا تبدأ نادية.س، المرأة الستينية، حديثها مع ميدان.

تُوُفي والد نادية وهي في الثلاثين من عمرها، كانت حينها متزوجة ولديها طفلتان، حينها أصبح بيت والدها فارغا بعد أن رحلت الأم سابقا وتزوج الأبناء، ولذا قرر الابن الأكبر، وهو الابن الوحيد بخلاف ثلاث بنات، أنه أحق ببيت أبيه، لكنه لا يمتلك من المال ما يُمكنه من شرائه، لذا فإنه حاول مع أخواته على قبول ما يعرضه عليهن من المال، وهو مبلغ ضئيل جدا لا يكاد يبلغ عُشر قيمة البيت الحقيقية، وحينما رفضت الفتيات، بدأت الخلافات التي تطورت سريعا، وأصبحت مشكلات وشجارات يشهد عليها الجيران، وتصل إلى الضرب والصراخ.

تدخّل الأزواج وأجبروا زوجاتهن على قبول عرض أخيهن حتى تنتهي هذه المشكلات، وتحت الضغط قبلت الفتيات، وما زال في قلوبهن غضاضة رغم مرور عقود من الزمن. تتذكر نادية أختها التي كانت على فراش الموت وما زالت تذكر بيت والدها وتقول إنها لن تُسامح أبدا.

ما يفرق نادية عن أخواتها أنها أُجبرت على التنازل عن بيت زوجها أيضا بعد وفاته، تاركا لها ثلاث بنات، فقد كان أخوه يرى أنه أحق بالبيت منها ومن بناتها، كانت حينها في أوائل الأربعينيات من عُمرها، وكان شقيق زوجها يرى أنها ستتزوج إن آجلا أو عاجلا، وهو لن يقبل بدخول غريب في بيت أخيه. وبعدما رفضت عرضه بالزواج منها، بدأت المشكلات، وأجبرتها العائلة على الخروج من بيتها مُقابل مبلغ ضئيل لا يكفي حتى لشراء شقة لها ولبناتها.

تشير دراسة صادرة عن وزارة العدل المصرية أن عدد قضايا النزاع على الميراث بين الأشقاء ازداد بشكل ملحوظ، فقد أشارت الدراسة إلى أن هناك 144 ألف قضية نزاع على ميراث يُنظَر فيها أمام القضاء سنويا، أكدت الدراسة أيضا أن هناك 8 آلاف جريمة قتل تقريبا تُرتكب سنويا بين أفراد الأسرة الواحدة بسبب الميراث، وهو عدد يتزايد سنويا، فمثلا سجل عام 2007 نحو 7500 جريمة قتل بسبب الميراث، و121 ألف قضية نزاع على ميراث، بينما في عام 2006 وقعت نحو 6 آلاف جريمة قتل بسبب النزاع على الميراث، و119 ألف قضية نزاع على الميراث(4).

يُذكر أيضا أن القانون (77) لسنة 1943 المختص بالفصل في قضايا المواريث في مصر، ينص على معاقبة كل من يتعمد عدم تسليم أحد الورثة نصيبه الشرعي من الميراث أو من يتعمد حجب سند وحجة الميراث بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر، وبغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تتجاوز 100 ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، ومع ذلك لا توجد ضمانات كافية لتطبيق القانون، خاصة في محافظات الصعيد التي تتحكم بها الموروثات والأعراف في القضايا الاجتماعية أكثر من القوانين(5).

المصدر: الجزيرة نت


موضوعات قد تهمك:

صورة مؤثرة.. لاجئة سورية تودع جارتها الدنماركية بالدموع

قانون الهجرة المقترح في بريطانيا يتعرض لانتقادات حقوقية

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة