نزهة الأبرار فى القول على ظهور البشرى

أحمد عزت سليم9 يناير 2019آخر تحديث :
نزهة الأبرار

نزهة الأبرار فى القول على ظهور البشرى

1ـ مفتاح الشوق

أخذ تيسير يتدفق سريعاً وسط الزحام ، ويتدفق معه المئات من أهالى حى الخبى نحو مئذنة المسجد المحترقة، من ياترى كان سيعرف تيسير بعد هذه الغيبة الطويلة ، بشعره الطويل المخضب بالحناء، والمشبوب بالطيب، وملبسه الدافئ الفضفاض،
كان وهج الحريق يرتفع حتى يجاوز عنان السماء ، لكنه لا يجاوز أبداً خصلات شعر تيسير المتطايرة فى الظلمة المتبددة بشرر الحريق المنتشر ورائحة الخشب المتوهج و المتساقط من الهلال المحترق، قبل أن يصل أحد من أهالى حى الخبى إلى المسجد كان تيسير وحده الواقف على بابه ينظر إلىالمئات المتدفقة من بُعد، ويبتسم، الناس هم الناس، والمدينة هى المدينة ، لكنها ازدادت أسمنتاً وحديداً، وانتعلت أبهة فارغة، وابتسم، الناس هالها و صدمها نور الحريق ، واشتعال الهلال الجديد وسقوط بعض أجزائه إلى الأرض، وتحول البعض منها إلى رماد يذروه الضوء المنبعث من قلب المسجد ويرفه، بُهت الناس، لم يتقدموا خطوة واحدة إلى الأمام، الذهول مختوم على شفاه خرجت لتوها من نوم سحيق.

صهباء صافية هذه الابتسامة على وجه تيسير، اشتعل الهلال وحده، وأطاحت الرياح بقنديله الذهبى الوحيد ، وبنمنمات الفضة على جسده والموشى بالصدف والعقيق.

ازداد انتصاب تيسير وتحرك إلى أعلى وأمسك بكلتا قبضتيه مفتاح المسجد الكبير وأشار إلى الناس بالهدوء والكف عن الذهول.
المفتاح قائم وممتد على شكل عقَّاب ينقض على غزالات طائرة فى أفق لا يسهل الانقضاض عليه، والخطوط رشيقة محشوة بسلاسل أوراق النبات المتشابكة فى هدوء وظل وارف، والمضفرة بالفضة والذهب المزهر بالياقوت الأحمر والفيروز، وسنون الكوارتز أزواجُُ ثلاثة من النسور الأوابد المستطيلة فى شمـوخ، وزخارف مورقة تنطق بنصال، وسيوف متوالية تخرج من عباءة الخليفة الجالس على شاطئ النهر، وكرات ثلاث من البرونز المذهب تتأرجح الحور فى زخارفها، ومن حولها طيور مائية غريبة الهيئة لا تنقض عليها عقبان الخليفة فى تفريعات النبات المحشوة بالصدف والطيب، فإذا ما تحركت يهيأ للناظرين أن النسور الأوابد تنقض لتلقم الضوء المنبعث من شرر الارتطام لتواصل الطيران فى أفق أرض الخليفة الواسعة.

تضج الناس من الشرر المتطاير، والهلال مازال يحترق وأجزاؤه تتفحم ويسقط رمادها مع هبات الهواء والرياح المتتالية حتى يصل إلى أعين الناس عاصفة من وهج ليعلو الصراخ الخطى.

يأخذ النور الجميع على شكل رءوس خيل تخرج من أفواهها روائح مسك وعطر غريب طيب الرائحة ، ونباتات تنمو وتنحفر مزهرة فى هواء الأدخنة المتصاعد والمتشابك، والألوان مزدانة باللؤلؤ مرصوصة فى حرير الأدخنة، تكسو المدينة، وغزالات وردية لا تفر وترف فى آنية من فيروز أحمر متوهج، بلورية الشكل، وناعمة الملمس، وحلة من نور تتسع فى مدى البصر، وتنطلق تكسو المدينة حتى تغطى السماوات والسبع أراضين، وزئير رابض على كتفى تيسير المنتصب والقابض على المفتاح بكلتا قبضتيه، وهو مازال يبتسم ، ويعجب لأمر الناس، إلا أن النور قد لفه وراح وغاب مرة ثانية من أمام أعين الناس، وبقى الزئير رابضا على باب المسجد يمنع المزخرف الخلق الكثير من التقدم خطوة واحدة إلى الأمام.

أخذ تيسير نفسه من داخل النور إلى باب الجامع العتيق أسفل باب المنبر الخلفى حيث مقبرة الخبى، وجد تيسير الباب مفتوحاً قفز من أول الدرج إلى أسفله حيث باب المقبرة، وأدخل المفتاح ببابها وقرأ اسم الله، وراح فى سره وسر النور.

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة