ليل الغرب الطويل!

محمود زين الدين18 ديسمبر 2022آخر تحديث :
الغرب

نظرية “بريطانيا العالمية” التي يتحدثون عنها الآن، تقوم على اعتماد بريطانيا في معظم تعاملاتها الاقتصادية علي خارج القارة الأوربية.
حرب أوكرانيا شاغل أوربا الأول لما سببته من أزمات الطاقة وتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، لكنها ليست كذلك بالنسبة لأمريكا.
أوربا مأزومة، لكن أزمة بريطانيا أكثر سوءا، فهي تعاني من تبعات خروجها من الاتحاد الأوربي وخذلان أمريكا لها، بعد أن شجعتها على البريكست.
انقسام أوروبا ليس في مواقف الحكومات فقط بل انتقل إلى الشعوب، كما رأيناه في مظاهرات براغ وتململ الشعوب الأوربية من قرارات الاتحاد الأوربي التابعة للموقف الأمريكي لا للمصالح الأوربية.
* * *

بقلم: مي عزام

من بريطانيا العظمي إلى بريطانيا العالمية
أوربا مأزومة، لكن الأزمة في بريطانيا تبدو أكثر سوءا، فهي تعاني من تبعات خروجها من الاتحاد الأوربي وخذلان الولايات المتحدة الأمريكية لها، وهي التي شجعتها على البريكست أثناء فترة الرئيس الأمريكي ترمب.
بريطانيا تتخبط داخليا وخارجيا، ويستشعر ساستها أنه قد فاتهم الكثير ويحاول الجميع سد ثقب السفينة تفاديا لغرقها، والبحث عن طوق نجاة خارج أوربا. نظرية “بريطانيا العالمية” التي يتحدثون عنها الآن، تقوم على اعتماد بريطانيا في معظم تعاملاتها الاقتصادية علي خارج القارة الأوربية.
ولقد أعرب “جيمس كليفرلي” وزير الخارجية البريطاني مؤخرا عن رغبة بلاده في التقارب مع الدول الأفريقية مستغلا أصوله الأفريقية للتقارب مع قادة القارة السمراء، ولقد صرح بأن موازين القوى تغيرت ومركز الثقل الجيوسياسي بدأ في الانتقال صوب الجنوب والشرق…أوربا تعيش بقايا النهار.
انقسامات تهدد الاتحاد الأوربي
بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وسقوط جدار برلين وتوحيد ألمانيا، وتوسع الناتو والاتحاد الأوربي شرقا، وتربع الولايات المتحدة على عرش العالم بلا منافس، تصور الغرب أنها نهاية التاريخ وأن مكانة الغرب على القمة مستقرة، وحياة الرفاهية والوفرة دائمة بدوام نفوذ الغرب السياسي والاقتصادي والتي أعطته القوة على فرض معاييره القيمية والثقافية على دول العالم بلا منازع.
لكن جاءت جائحة كورونا لتوقظ الغرب الحالم على فاجعة هشاشة المنظومة الصحية في معظم بلدانه وعدم الجاهزية، وبدأت الشكوك تساور الجميع في استمرار مجتمع الوفرة والرفاهية، ثم ضرب إعصار 24 فبراير الماضي بقايا اليقين، بعد أن اجتاحت روسيا حدود أوكرانيا لتعيش أوربا كابوسا تبحث عن وسيلة إفاقة منه.
الاتحاد الأوربي الذي كان يبدو عصيا على الانقسام، بدأت الخلافات تنخر في هيكله حول العقوبات على روسيا واستيراد الغاز الروسي وسعر النفط الروسي، وبسبب موقف المجر المخالف لرأى المجموع حيال روسيا سيتم عقابها بتجميد حزم مساعدات مالية تناهز 7.5 مليارات يورو كان الاتحاد الأوربي سيقدمها لحكومة بودابست.
الانقسام ليس في المواقف الحكومية فقط لكن انتقل إلى الشعوب، وهو ما رأيناه في مظاهرات براغ وتململ الشعوب الأوربية من قرارات الاتحاد الأوربي التي تعتبرها تابعة للموقف الأمريكي ومخالفة للمصالح الأوربية.
كما أن اتهامات الفساد وتلقى الرشاوي الموجهة إلى نائبة رئيس البرلمان الأوربي “إيفا كايلي” وعدد آخر من كبار المسؤولين تضع الديمقراطية الغربية والمعايير الغربية محل شك، وليس هناك أفضل من الأزمات والمحن لتكشف معادن الأشياء.
الخذلان الأمريكي
العتاب الأوربي لأمريكا لم يقتصر على الاجتماعات المغلقة، بل بات علنيا بدأته ألمانيا، وتحدث عنه بصراحة تامة الرئيس الفرنسي ماكرون بشأن القرارات الأمريكية التي لم تعر المصالح الأوربية اعتبارا لها بل وتساهم في تفتت الغرب، وأضاف أن المغالاة في تسعير الغاز الأمريكي المصدر إلى أوربا وقانون خفض التضخم الذى أقرته إدارة الرئيس بايدن يعد ضربة قاسمة للصناعات الأوربية وسيخرجها من مجال المنافسة العالمية.
حرب أوكرانيا نزعت القناع عن وجه أمريكا القبيح وتجلت الحقيقة المختفية وراء وجه العم سام البشوش، أمريكا لا تراعي إلا المصالح الأمريكية ولو احترق العالم بما فيه من حلفاء ومنافسين.
حرب أوكرانيا هي شاغل أوربا الأول لما تسببت فيه من أزمات في الطاقة وتضخم وارتفاع تكلفة المعيشة، لكنها ليست كذلك بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فلديها ملف أهم وهو الصين المنافس الصبور والمثابر والذي يمد نفوذه حول العالم بخطوات بطيئة لكن إلى الأمام دوما، حتى بات يهدد الهيمنة الأمريكية ليس فقط اقتصاديا لكن عسكريا أيضا.
الكل يدرك أن النمو الاقتصادي تلزمه قوة عسكرية تحميه، ولقد بدأت الصين في تنفيذ خطتها في إقامة قواعد عسكرية خارجية، إذ أقامت عام 2017 أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي على بعد 6 أميال من أكبر قاعدة أمريكية في أفريقيا، كما تسعي لإقامة قاعدة عسكرية في غينيا الاستوائية بإطلاله على الأطلسي وهو ما أثار فزع البنتاغون، لأنها بذلك تكشف الساحل الشرقي الأطلسي الأمريكي.
الصين لديها مصالح ضخمة جدا في أفريقيا، وهي أكبر شريك تجاري للقارة منذ عام 2009، إذ بلغ إجمالي التجارة الثنائية أكثر من 254 مليار دولارعام 2021، وتجاوزت بذلك أمريكا.
النفوذ الاقتصادي الصيني والنفوذ العسكري الروسي في أفريقيا مصدر خطر كبير على النفوذ والمصالح الأمريكية، وهذا هو السبب الذي دعا إدارة بايدن للدعوة إلى القمة الأمريكية الأفريقية التي سيحضرها 49 زعيما أفريقيًا وتقام منتصف شهر ديسمبر الجاري، وكانت القمة الأولي في عام 2014 في عهد الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما.
الإدارة الأمريكية تدرك أن أفريقيا ستلعب دورا حاسما في العديد من التحديات العالمية المقبلة بما فيها من ثروات وإمكانيات وهي لا تريد خسارة أفريقيا لأن ذلك معناه انتصارا صينيا روسيا.
ورغم العلاقات القوية التي تربط عدد من الدول الأوربية بأفريقيا نظرا للتاريخ الاستعماري لهذه الدول في القارة، لم تفكر إدارة بايدن في دعوة أي من حلفائها الأوربيين لهذه القمة، رغم إدراكها لرغبة هؤلاء الملحة في توطيد العلاقات مع أفريقيا والتي أصابها الفتور في السنوات الأخيرة كما أن بريطانيا الحليف الاستراتيجي لأمريكا تسعي للأمر ذاته.
وهنا تبدو المفارقة بين موقف السعودية وأمريكا، فقد حرص ولى العهد السعودي على إقامة قمة خليجية وأخرى عربية، بالتزامن مع انعقاد القمة الأمريكية السعودية والقمة الصينية السعودية، رغبة من المملكة في توسيع المشاركة العربية والاستفادة وتطبيقا لنظرية “الربح المتبادل” Win-Win، استقرار ونمو الدول العربية سينعكس إيجابا علي جميع البلدان العربية بما فيها السعودية، وهو مفهوم معاكس للرؤية الأمريكية النرجسية للأمور، والتي لن تفيد أمريكا بالعكس ستزيد من سرعة أفول نجمها وتغيير النظام العالمي لصالح قوي الشرق والجنوب الصاعد بثبات.

*مي عزام كاتبة صحفية مصرية

المصدر: الجزيرة نت – الدوحة

موضوعات تهمك:

الجمعة البيضاء ليست بيضاء أبدا!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة