على أنقاض العشوائيّات الدمشقية

الساعة 256 يناير 2013آخر تحديث :
gukjhor kjfrwgk 63405

gukjhor kjfrwgk 63405بقلم: جهاد الزين
حتى الآن لم تصل تقارير دقيقة الأرقام عن حجم الدمار الذي خلّفتهُ وتخلِّفهُ يوميا المواجهات الميدانية لاسيما في محيط دمشق. لكن الأكيد أن عدداً من المناطق التي يشملها القتال هي مناطق بناء عشوائي -أي غير قانوني- تراكمت على مدى عقود من وجود الدولة الوطنية السورية المعاصرة.

مع أن عنفَ المواجهات بين النظام وفصائل المعارضة شمل قلب العديد من المدن السورية مثلما شمل محيطها أو أريافَ كلٍّ منها، فإن الوضع العسكري في منطقة “دمشق الكبرى” باتت له حتى اليوم وربما لفترةٍ طويلة خصوصيته. هناك تدورالمعارك في الضواحي الجنوبية والشرقية والشمالية للمدينة وينجح النظام في إبعادها – كمواجهات مباشرة- عن الحدود الإدارية للمدينة.

هذه الضواحي التي تشكّل الشاهد الحي على تاريخ النزوح الريفي الذي أدى إلى”ترييف” مدينة دمشق ليس فقط الاجتماعي بل أدى منذ العام 1963 إلى سيطرة نظام ذي أصول ريفية على المدينة. كانت المفارقة التي طبعت الثورة السورية في بداياتها في آذار 2011 هي انطلاق الاحتجاجات في منطقة دمشق -بعد درعا- من هذه الضواحي بالذات أي من القاعدة الاجتماعية الأصلية للنظام “الريفي” الحاكم ولكن ضد النظام بعد أن اصبح أبناء الجيل الثاني لهذا النظام أكثر تمثيلاً لمصالح البورجوازية المدينية الجديدة والقديمة.

لكن الثورة التي تحوّلت إلى حربٍ أهليةٍ ضاريةٍ حول، وفي، سبع مدنٍ سورية كبيرة تحوّلت أيضا بحكم تمركزها في الضواحي العشوائية حول دمشق إلى عملية تدمير واسعة النطاق للعديد من هذه العشوائيات كما باتت تؤكد تقارير عديدة لمطّلعين مقيمين في العاصمة السورية.

فهناك، حسب هؤلاء، مناطق من البناء العشوائي الكثيف أصبحت ركاما. مع العلم أنه في الأشهر الأولى للأحداث شهدت هذه الأحياء فلتانا إضافياً من البناء مع ضعف سيطرة الدولة. لكن لم يكن في ذهن سكان تلك الأحياء أن شوارعهم ستتحوّل سريعاً إلى جحيم من الدمار اليومي بين النظام والمعارضة سيُرغم معظمَهم على الفرار والخروج من “المدينة” بلا شيء يملكونه كما جاؤوا إليها سعياً وراء الرزق قبل خمسين أو أربعين أو ثلاثين عاما..

كان الجيل الثاني الحاكم في النظام السوري ولاسيما من المدنيين قد بدأ في السنوات الأخيرة يشعر بثقل وضع العشوائيات داخل دمشق وخارجها. فهي مناطق عموما بلا خدمات تحتية كافية. إذ يجدر الذكر أن اكبر عشوائية داخل مدينة دمشق هي عشوائية قاسيون (حي عش الوروار) وهناك على المدخل الغربي للمدينة عشوائيات أخرى بعضها ذو غلبة لون طائفي (علويون) وبعضها ذو غلبة لون قومي (أكراد) وهم غير أكراد الحي التاريخي للأكراد في دمشق الذي يعتبر جزءاً مندمجاً وأصيلاً من بنية المدينة التاريخية. لكن في سوريا بحكم الكثافة الديموغرافية السُنّية الكبرى فالنِسب العددية الغالبة في العشوائيات هي طبعا سنّية. كل هؤلاء القاطنين فيها هم من الفقراء وأحيانا من الشديدي الفقر الذين شجّعتهم سياسة الجيل البعثي الحاكم الأول على التمركز كيفما كان في تلك المناطق حول المدينة وبعضهم عائلات جنود عاديين سَكَنَتْ فيها بغض نظر مدروس من الدولة.

دمشق الحالية الكبرى هي تجمّع باطوني هائل بات يضم بين اربعة ملايين ونصف مليون نسمة وخمسة ملايين نسمة. كل ذلك خلال خمسة عقود انتقلت فيها هذه المدينة من اكثر قليلاً من نصف مليون نسمة الى ما هي عليه الآن حتى أن بعض التقديرات يذهب الى اعتبارها “بين ستة وسبعة ملايين مقيم” كما كتب بيتر هاردينغ في مجلة “سوريا توداي” الصادرة في دمشق بالإنكليزية في 20 تشرين الثاني 2009.

هكذا حتى مع النجاح النسبي الذي حصل في وقف تآكل الغوطتين الباطوني فإن “الميغا دمشق” باتت متوسعة في الغرب والشمال الغربي (نحو قاسيون) والشمال (طريق حمص) والى الشرق (الغوطة). والخط الجنوبي الشرقي (على طرق المخيم والسيدة زينب) بأحجام ضخمة.في آب 2011، وكانت الثورة قد بدأت، قال وزير الإدارة المحلية عمر غلاونجي في تصريح نقلته وكالة “سانا”الرسمية أن الدراسات تشير لوجود أكثر من 115 منطقة مخالفات سكنية في كل من محافظات دمشق- ريف دمشق- حلب- وحمص ويُشكّل القاطنون فيها نحو 30-40% من عدد السكان.كما أن محافظ دمشق بشر الصبان ونقلاً عن “سانا” أيضاً قال أن المحافظة تحتوي على 20 منطقة سكن عشوائي.

وفي دراسة قام بها أياس الدايري معاون المدير العام للمؤسسة العامة للإسكان عام 2007 فإن القاطنين في مناطق السكن العشوائي يشكلون 30 – 40% من سكان المدن الرئيسة في سوريا فيما تشير التقديرات إلى أن نصف عدد سكان سوريا تقريباً يمكن أن يكونوا قد أصبحوا يعيشون في مدينتين ومحيطهما: دمشق وحلب.

وحسب “سوريا توداي” أجرت السلطات السورية سابقاً مباحثات مع الخبير الاقتصادي العالمي البارز من البيرو،هرناندو دو سوتو، نظراً إلى أعماله في أكثر من دولة حول الاقتصادات غير الرسمية وأهمية حقوق الملكية في معالجة الفقر. وكان هناك فريق خاص لمعالجة مشكلة العشوائيات ضمن برنامج تعاون بين الاتحاد الأوروبي والحكومة السورية يرأسه الخبير في التنمية المدينية بيتر روس.

هذه الوقائع والمؤشرات شديدَة الدلالة. فحتى في نظام ذي سلطةٍ قوية جدا يمكن أن تتفاقم مشكلة من هذا النوع وبهذا الحجم الذي لم يصل إلى درجته الوضع اللبناني ذو السلطة الضعيفة تقليديا. كان الجيل الحاكم الثاني يحاول أن يعالج مشكلة متفاقمة ساهم فيها الجيل الأول بل هي وهو وجهان لتطور تاريخي واحد. فالنخبة الحزبية والعسكرية من الطبقة الوسطى الآتية من الأرياف انخرطت في طريق صعودها السلطوي بثقافة انحياز للطبقات الفقيرة عبّر عنها حزب البعث بتلويناته المختلفة كان عمادها سيطرة الدولة على النشاط الاقتصادي وجَعَلَها جناحُه اليساري أكثرَ راديكاليةً إلى أن وجّهها حافظ الأسد نحو نوع من التسوية مع بورجوازية المدن. الجيل الثاني كان عليه تحضير السلطة وسوريا للتكيّف مع عوامل جديدة ولكن الدقة تتطلب القول أن النظام لم يكن يحضّر لاستئصال كلّ العشوائيات إنما لجعل معظمها مناطقَ سكنٍ قانونيةً ذات بنى تحتية. وفي الثقافة السورية المعاصرة منذ عام 1948 ما جعل معاملة اللاجئين الفلسطينيين على مستوى الحقوق المدنية ذات سجلٍ إيجابي جدا بل مشرّف. أما من الناحية السكنية فحتى المخيمات الفلسطينية كمخيم اليرموك وإن كانت أماكن تجمّعٍات سكنيّةٍ متواضعٍةٍ فهي أفضل من أوضاع معظم المخيمات الفلسطينيّة في لبنان.

***
تحْمُل كل حرب نتائجها غير المتوقعة بالضرورة:
قيل- والكلام ليس مجرد تكهنات بل حصيلة حديث منخفض الصوت في التسعينات مع مصادر تركية ذات مواقع- أن إحدى النتائج غير المنظورة للمواجهة بين حزب العمّال التركي (PKK) وبين الجيش التركي أو التي نشأت خلال هذه المواجهة في النصف الثاني من الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي هي دفع أعداد كبيرة من الأكراد الفقراء خارج قراهم للهروب من الحرب إلى اسطنبول وأنقرة وبعض المدن الكبيرة والعمل برواتب متدنّية كانت تحتاجها الصناعة التركية الصاعدة. هكذا فرغت مئات القرى الكردية في الجنوب الشرقي التي كانت تحت كمّاشة الصراع لتتحول اسطنبول بالذات إلى أكبر مدينة ذات تجمّعٍ كردي في العالم.

مثال آخر مختلف:
التجمعات العشوائية الكبيرة في تل الزعتر وكمب شرشبوك والمسلخ والنبعة التي أدّت الحرب الأهلية اللبنانية إلى إلغائها كعشوائيات سكنية بعد طول تململ اليمين المسيحي (وضمنا اليمين المسلم) مع أنها إحدى النتائج الأساسية لنمو البورجوازية الخدماتية اللبنانية منذ الخمسينات.

لا تتعرّض للتدمير مع المزيد من المعارك في ريف دمشق فقط العشوائيات السكنية وإنما ينجرف معها وجهٌ مهمٌ من تاريخ سوريا الاجتماعي السياسي المعاصر… ما سُمّي طويلاً: “ترييف المدن” بل سيطرة بعض نخب الريف السياسي والاجتماعي على الدولة.

الآن وأيّاً تكن المبررات الأيديولوجية والسياسية فإن المشهد الحالي في سوريا مدهش:
نظامٌ ريفيُّ الأصول قاد تاريخيا عملية ترييف المدن متمركزٌعسكرياً وسياسياً واقتصادياً الآن داخل المدن ويدافع عن قلبها التجاري والسكني من حلب إلى دمشق وبالمقابل يتجدّد الهجومُ من أرياف شاسعة على المدن بثوب إسلاموي بل سلفي ضمن حركة اعتراض سياسي عميقة… واحدةٌ من ديناميّاتها الأساسية تراكم نقمة المدينة التاريخية على الريف!
إنه جمباز التاريخ والأجيال والوقائع!!!

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة