السفارة البريطانية في القدس المحتلة: فارق التهور والحكمة

محمود زين الدين11 أكتوبر 2022آخر تحديث :
السفارة البريطانية في القدس

الفارق بين ليز تراس «الصهيونية الكبيرة» وليز تراس المسؤولة الأولى في دولة كبرى هو، في الآن ذاته، فارق الطيش والتهور مقابل الحكمة والتعقل.
بادر رئيس كنيسة وستمنستر لمخاطبة تراس ومناشدتها عدم نقل السفارة البريطانية إلى القدس، منضوياً بذلك في موقف مشابه اتخذه المجلس الإسلامي في بريطانيا.
على صعيد سياسي داخلي، أعربت عن رفض نقل السفارة إلى القدس المحتلة أحزاب العمال والليبرالي الديمقراطي والوطني الاسكتلندي التي تمثل كتلة المعارضة.
عزم تراس على نقل السفارة البريطانية إلى القدس المحتلة سيضيف مزيدا من أسباب عزلتها الأوروبية والدولية، ويضعها بمصافّ متماثلة مع هندوراس وغواتيمالا وكوسوفو
أرسى وعد بلفور أساس الأنشطة الصهيونية السياسية والاستيطانية والإرهابية بفلسطين وإنشاء الكيان الصهيوني على أنقاض قرى وبلدات ومدن فلسطين وتشريد أهلها بأبشع عمليات “ترانسفير” بالتاريخ.
* * *
الفارق كبير بين أن تعلن ليز تراس أنها شخصياً «صهيونية كبيرة وداعمة بشدة لإسرائيل»، وبين أن تتصرف على هذا الأساس من موقعها كرئيسة وزراء بريطانيا، الدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، وصاحبة وعد بلفور الشهير الذي أرسى أول أحجار الأساس لإسباغ الشرعية على الأنشطة الصهيونية السياسية والاستيطانية والإرهابية في فلسطين، وإنشاء دولة الاحتلال الإسرائيلي على أنقاض آلاف القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وعمليات طرد الملايين وتشريدهم وتهجيرهم بالقوة عبر إحدى أبشع عمليات الـ”ترانسفير” في التاريخ.
ولم يكن غريباً بالتالي أن تلقى تراس اعتراضات جوهرية، متعددة الأطراف ومتنوعة السياسات إزاء قضية فلسطين، بخصوص إعلانها العزم على مراجعة الموقف من السفارة البريطانية في دولة الاحتلال وإمكانية نقلها من تل أبيب إلى القدس المحتلة، ضمن التزام عريض عنوانه «التأكد من أننا نعمل على أقوى أسس مع إسرائيل» كما صرحت.
ولأنّ إشكالية مدينة القدس المحتلة لا تقتصر على الحساسيات الدينية التي تمسّ مئات ملايين المسلمين في العالم بأسره، فقد بادر رئيس كنيسة وستمنستر الكاردينال فنسنت نيكولاس إلى مخاطبة تراس ومناشدتها عدم اتخاذ هذه الخطوة، منضوياً بذلك في موقف مشابه اتخذه المجلس الإسلامي في بريطانيا.
على صعيد سياسي داخلي، أعربت عن رفض نقل السفارة إلى القدس المحتلة أحزاب العمال والليبرالي الديمقراطي والوطني الاسكتلندي التي تمثل كتلة المعارضة، مستندة أولاً إلى القانون الدولي والقرارات الأممية التي حددت وضع القدس بوضوح لا لبس فيه، ومعتمدة تالياً على موقف بريطانيا المعروف بتأييد حلّ الدولتين بما يحفظه من موقع للقدس كعاصمة للدولة الفلسطينية.
ولا تستثنى من هذه الحيثيات حقيقة أن بريطانيا امتنعت، خلال حكم المحافظين أيضاً، عن اللحاق بالإدارة الأمريكية ونقل السفارة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب.
صحيح، بالطبع، أن تراس تسعى جهدها للارتباط أكثر فأكثر بالولايات المتحدة، في السياسة الخارجية والأمن والاقتصاد، تعويضاً عن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي وما انطوى عليه من مآزق تجارية ومالية واستثمارية.
لكن من الصحيح أيضاً أن عزم تراس على نقل السفارة البريطانية إلى القدس المحتلة سوف يضيف المزيد من أسباب عزلتها الأوروبية والدولية، وسوف يضعها في مصافّ متماثلة مع هندوراس وغواتيمالا وكوسوفو التي نقلت سفاراتها إلى القدس المحتلة، وفي الآن ذاته لن تبلغ شأو الولايات المتحدة في هذا الاعتبار.
وإذ ترفع عقيرتها استنكاراً لقرارات الكرملين في ضمّ مناطق محتلة من أوكرانيا إلى روسيا، فإن رئيسة وزراء بريطانيا لا تجد حرجاً في التلهف على تقليد الخروقات الروسية ذاتها ولكن في فلسطين المحتلة، وتجميل هذا الانتهاك الصارخ لموقع مدينة القدس المحتلة، في تحد سافر ومستهجن تماماً ليس لمشاعر الفلسطينيين والمسلمين على نطاق عالمي فقط، بل كذلك استفزاز جمهرة عريضة من عقلاء الساسة وممثلي الرأي العام أو رجال الدين في بريطانيا ذاتها.
ذلك لأن الفارق بين تراس «الصهيونية الكبيرة» وتراس المسؤولة الأولى في دولة كبرى هو، في الآن ذاته، فارق الطيش والتهور مقابل الحكمة والتعقل.

المصدر: القدس العربي

موضوعات تهمك:

إلى اليمين در

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة