إلغاء خانة الديانة

حسن حنفي1 يناير 2019آخر تحديث :
إلغاء خانة الديانة

 إلغاء خانة الديانة

تحية إلى جامعة القاهرة التى تجرأت، مثل قرارات سابقة، على إلغاء خانة الديانة من أوراقها. فالجامعة مؤسسة علمية ومن فيها أساتذة وطلابا طلاب علم. والعلم طلب الجميع. لا فرق بين مسلم وقبطى. فما الفائدة من وضع خانة للديانة فى معهد علمى؟ هل المقصود الإحصاء الكمى لنسبة المسلمين والأقباط على مستوى الأساتذة والطلاب والإدارة ورؤساء الجامعات لتعميق الخلاف اعتمادا على هذا الإحصاء؟ ثم يمتد هذا الإحصاء إلى مستوى كبار الضباط والوزراء والمحافظين والمديرين، مما يقسم كل هيئة إلى طائفتين وكأننا لا نعيش فى وطن واحد. ثم نشكو من الطائفية التى دمرت العراق وسوريا واليمن. وأصبحت أكبر خطر يهدد الخليج. وبالإضافة إلى القبلية فى ليبيا ومصر بين سيناء والوادى.

وقد تشجعت الجامعة من قبل على منع الحجاب والنقاب من حرم الجامعة ومدرجاتها. فالطالبة فى الجامعة طالبة علم، مسلمة أو قبطية، سلفية أو ليبرالية. فالهوية فى الجامعة هوية العلم وليست هوية الدين. وهذا تكرار لما حدث فى مجلس النواب عندما يقوم أحدهم ليؤذن للصلاة ويدعو النواب إلى الصلاة. ويقطعون نقاشهم حول مصالح الشعب. وينسى النائب أن هويته ليست الدين بل تمثيل الشعب والدفاع عن مصالح الناس. وإن كان ارتداء النقاب والحجاب حرية شخصية فإن ارتداء المينى جيب حرية شخصية أيضا. وتصبح الجامعة مباراة فى ارتداء الملابس. ويكون الجسد هو موضوع التفكير وليس العقل أو البحث عن الحقيقة.

وخطوة ثالثة شجاعة منتظرة هى إلغاء خانة الجنس: ذكر أم أنثى. فما فائدة تعيين الجنس فى طلب العلم؟ تقوم الجامعة على الاختلاط بين الجنسين فى المدرجات وفى الحرم الجامعى والطرقات بين الكليات. وخانة الجنس مثل خانة الدين تؤدى إلى التفرقة بين الجنسين. فالجامعى طالب علم، أستاذا أو طالبا، بصرف النظر عن جنسه، ذكرا أم أنثى. ويأتى الإحصائيون ليعدوا كم ذكرا وكم أنثى فى الجامعة ليثبتوا اضطهاد المرأة، وينسوا أن هوية الجامعى هى طلب العلم وليست الذكورة أو الأنوثة.

وقد يأتى يوم تتشجع فيه الجامعة أيضا فى حذف خانة الجنسية، مصرى أو أجنبى، فما الفرق بين الاثنين فى طلب العلم؟ وهل العربى أجنبى مثل الأوروبى أو الأمريكى، وهل الماليزى والإندونيسى أجنبى مثل الصينى واليابانى؟ فإذا كان الهدف من هذا التفريق هو المصروفات، فمجانية التعليم تلغى هذا الهدف. وأيهما أفضل: أن تكسب الجامعة ماديا أم تكسب عقول وقلوب الطلاب العرب والأفارقة والمسلمين؟ كنت بيوغوسلافيا، بلجراد، مرة فى الستينيات، واعتبرنى صاحب الفندق أجنبيا. فأعطيته درسا فى ناصر وتيتو ونهرو وعدم الانحياز هل هؤلاء أجانب؟ هل الكلام شىء والفعل شىء آخر؟ وكان طلاب العلم قديما يمشون الأميال ويعبرون ما يسمى اليوم الحدود ليلتقوا بعالم يدرس فى المسجد الكبير. ولم يسأله أحد من أى بلد أنت أو يأخذ منه مصاريف حسب الجنسية. وقد كسبت مصر، كعبة العلم، الكثير عندما كان يأتيها الطلاب من أفريقيا وآسيا.

وقد أقرت الثورة فى 1952 مجانية التعليم الجامعى بعد أن أقر طه حسين وزير التعليم فى حكومة الوفد عام 1951 مجانية التعليم فى المرحلتين الابتدائية والثانوية. والآن تزداد المصاريف كل عام خاصة فى الدراسات العليا. أما التعليم المفتوح فهو مشروع تجارى خالص يكسب فيه درجة علمية والأستاذ بيع كتابه والجامعة الوسيط التجارى. تستطيع الجامعة أن تعيش بمزيد من الدعم من المليارات المنهوبة والمحولة خارج البلاد، والمليارات التى مازالت باقية فى الداخل من كبار رجال الأعمال.

بهذه الطريقة، إلغاء خانة الديانة يقضى على الطائفية من الجذور خاصة لو بدأ ذلك بالمدارس الابتدائية والثانوية بإلغاء تدريس الدين، الإسلام للمسلمين، والمسيحية للمسيحيين، وتدريس الأخلاق بدلا عنهما. فالأمانة والتسامح والمحبة والتعاون والمساواة والعدالة الاجتماعية قيم مشتركة بين جميع الأديان. نفرق بين المواطنين بأيدينا ثم نشكو من الطائفية فيما بعد. إن الأمر يحتاج إلى مزيد من الشجاعة الأدبية فى المؤسسات التعليمية لإلغاء كل عوامل التفرقة بين المواطنين، الدين، والجنس، والجنسية، وعدم الخوف من الحركات السلفية التى تجعل الدين هوية المواطن بدلا من الوطن والمواطنة. ومزيد من الشجاعة الأدبية ترفع الحواجز الحديدية بين طرقات الحرم الجامعى. فالعلم رفع للحواجز والموانع الفكرية. والأمن فى الداخل وليس فى الخارج. وقديما كان الحرم الجامعى منبعا للثورة. مثل ميدان التحرير الآن.

قد يكون إلغاء خانة الديانة فى أوراق جامعة القاهرة مقدمة لإلغائها فى البطاقة الشخصية وجواز السفر وشهادة الميلاد والتجنيد وكل الأوراق الرسمية للدولة. فالجامعة مقدمة للعمل الوطنى. أسسها أحمد لطفى السيد، ودرس فيها طه حسين رواد الوطنية. فالجامعة وطن صغير، صورة للوطن الكبير فى الشجاعة الأدبية وحرية الرأى وأخذ زمام المبادرات الوطنية دفاعا عن الوطن والمواطنة. والأستاذ والطالب فيها مواطنان يجمعان بين هموم العلم والوطن. ويدافعان عن الهوية الوطنية ضد كل فروق التمييز الدينى والجنسى. وإلا تفتت الوطن، وغرق فى التفتيت الذى طُبق فى العراق وسوريا واليمن وليبيا، وإسرائيل تجمع الطوائف والجنسيات اليهودية من كل مكان، تجمع ولا تفرق بين أرثوذكس وإصلاحى. فاليهودية هوية قومية. ما كان للعرب تركناه وأخذته إسرائيل. نضعف ونفتت أنفسنا بأيدينا وتقوى إسرائيل وتوحد طوائفها بأيديها، فمن الذى يكسب فى النهاية؟ لا فرق بين العلم والوطن، ولا بين هموم العالم وهموم المواطن. ونحن نتعلم من أجل تأسيس الأوطان. فلا نقطع أجسادنا بأيدينا. ولا نسيل دماءنا بسكاكيننا التى أولى أن توجه إلى العدو الإسرائيلى مع المقاومة الفلسطينية.

 

 

التعليقات

عذراً التعليقات مغلقة

اكتب ملاحظة صغيرة عن التعليقات المنشورة على موقعك (يمكنك إخفاء هذه الملاحظة من إعدادات التعليقات)
    الاخبار العاجلة