“أصحاب ولا أعزّ” .. مجرد إعلان أسود

محمود زين الدين4 فبراير 2022آخر تحديث :
أصحاب ولا أعز

فكرة استنساخ فيلم عن فيلم آخر ينتمي لثقافة أخرى لا معنى له إن لم يراع هذه الاختلافات.

السيناريو بدا مهلهلا، رغم أنه مستنسخٌ من فيلم إيطالي اسمُه “Perfect Strangers”، حقّق رقما قياسيا بعدد مرات استنساخه عالميا.

الفيلم سقطة ربما تكون مقصودة لكل صنّاعه والمشاركين بأداء أدواره على هذا النحو الذي ينزعه من فكرة الفن، ليسقطه في دائرة الإعلانات السوداء وحسب!

* * *

بقلم:

أعترف بأنني لم أشاهد فيلم “أصحاب ولا أعزّ” إلا تحت وطأة الضجة الكبيرة التي أثارها في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي منذ بدء عرضه.
فرغم عشقي الشديد لعالم السينما وجديد الأفلام، إلا أنني مررت، في السنتين الأخيرتين، بحالة نفورٍ منها، ربما بسبب جائحة كورونا، وما فرضته علينا من ابتعادٍ عن قاعات السينما وخياراتها المتعدّدة.
يوازيه نفورٌ آخر مما تعرضه منصّة نتفليكس من أفلام ومسلسلات تكاد تكون متخصّصة بترويج الشذوذ تحت مسمّى المثلية، والتطبيع معها باعتبارها طبيعة بشرية لا ينبغي رفضها.
في ظل كل هذه المعطيات، عدت إلى “نتفليكس”، لأرى جديدها الذي أثار كل هذه الضجة قبل الحكم عليه والانخراط في النقاشات المستمرة حوله. ورغم أن معظم تلك النقاشات الحادّة تمحورت حول قضية ما تسمّى المثلية والعلاقات غير الطبيعية وغير المألوفة بين الأصدقاء والأقرباء والأزواج في المجتمعات العربية، حتى على سبيل الشذوذ والندرة، إلا أن هناك جوانب أخرى يمكن مناقشتها لغير صالح الفيلم.
السيناريو على سبيل المثال بدا مهلهلا، على الرغم من أنه مستنسخٌ من فيلم إيطالي اسمُه “Perfect Strangers”، حقّق رقما قياسيا بعدد مرات استنساخه عالميا، فالنسخة العربية تحمل الرقم 19 في عدد النسخ.
ومع أن القصة واحدة في الفيلمين، الأصلي والعربي، إلا أن المعالجة الفنية مختلفة تماما لصالح الأصل الإيطالي الذي كان واضح المعالم، شائقا في التقاطاته وانتقالات الكاميرا فيه، وربط الأحداث بتحولات كسوف القمر على الصعيد النفسي، ومزاوجتها بتحولات البشر في سياق اعترافاتهم بكل ثغرات نفوسهم وتصرّفاتهم الحياتية أمام بعضهم بعضا.
لكن هذا كله ربما غير مهم قياسا بالانحدار المعياري الأخلاقي الذي وصلت إليه نسخة نتفليكس العربية، والتي كانت حلقة جريئة في ترويج الشذوذ الأخلاقي واعتباره حرية شخصية، بل بدت لنا، في بعض اللقطات والحوارات السريعة، ذات الإيحاءات الواضحة وكأنها حقيقة.
أصبح واضحا أن أحداث الفيلم تتعلق بمجموعة من الأزواج الأصدقاء الذين يجتمعون في منزل أحدهم ليلعبوا لعبة “الموبايل”، بما يسمح بانكشافهم ذاتيا أمام بعضهم بعضا في مباراة للاعترافات الاضطرارية، ما يؤدّي إلى محاولة فرض معايير أخلاقية وتربوية لا يمكن قبولها في سياق الحرية الشخصية، لأنها تحاول أن تطبع واقعنا العربي والإسلامي مع القبح والأفكار الشاذّة في مفاهيم بديهية كثيرة، كالصداقة والحب والعلاقات الزوجية والتربية وعلاقات الآباء بالأبناء وغيرها.
هذا الفيلم، بعيدا عن ضعف مستواه الفني، وغموض بعض مشاهده وارتباك بعضها الآخر، خطير إلى الدرجة التي يمكن اعتباره فيها حلقةً من سلسلة مؤامرات حقيقية على القيم الإنسانية عموما والثقافة العربية والإسلامية خصوصا، فهو يمجّد الزيف والخداع والكذب، ويعتبرها في النهاية أساسا للحياة الجميلة التي تجمع بين الناس، على اختلاف درجات العلاقات بينهم، أزواجا كانوا أو أقرباء أو أصدقاء!
فكرة استنساخ فيلم عن فيلم آخر تنتمي لثقافة أخرى، بواقع اجتماعي مختلف، لا معنى لها إن لم يراع كل تلك الاختلافات، فالفيلم الأصلي موجود، ويمكن لجميع سكان الأرض مشاهدته من خلال ترجمته كما يحدُث دائما.
أما إذا قرّرت أن تنقل هذا الفيلم إلى واقع آخر وتقدّمه في سياق حضاري وجغرافي وعرقي وديني مختلف، فعليك إذن أن تهتم بكل التفاصيل التي تخدم الفكرة، وتحترمها بما يناسب المشاهد الجديد الذي سيراه، ويسمع حواراته بلغته الأم.
وبالتالي، سيكون جزءا من ثقافته الاجتماعية العامة. ومن هنا تحديدا، أرى أن الفيلم سقطة، ربما تكون مقصودة، لكل صنّاعه والمشاركين بأداء أدواره على هذا النحو الذي ينزعه من فكرة الفن، ليسقطه في دائرة الإعلانات السوداء وحسب!
* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية
المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

النسوية تخطف الأمومة

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة