هوس الشهرة المجّانية

يريد الجميع أن يشرب من بئر الشهرة المفاجئة المجانية ليصبح مشهوراً بعد أن اكتشف من النماذج السائدة أن الشهرة لا تتطلب جهداً كثيراً.

أشاعت وسائل التواصل الاجتماعي ظاهرة البحث عن الشهرة بكل الطرق والوسائل فظهرت شريحةٌ من الناس المشهورين لا نعرف غالبا لماذا هم مشهورون أساسا!

باتت الشهرة المجانية هوسًا لدى الجميع: رجال ونساء صغار وكبار وأطفال يستغلهم أهاليهم للهدف ذاته ولا مانع لتحقيق ذلك من الانكشاف المرضي أمام الآخرين!

تدرّ الشهرة كثيرا أموالا وهدايا ونفوذا وتقدّمك للمجتمع نجما لامعا يشعر بالغيرة منك حتى من وصلوا الليل بالنهار في الجامعات والأبحاث وحصلوا أعلى الشهادات!

* * *

بقلم: سعدية مفرح

أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، المنتشرة أخيراً، في إشاعة ظاهرة البحث عن الشهرة بكل الطرق والوسائل المقبولة وغير المقبولة، فظهرت شريحةٌ من الناس معروفة باسم المشهورين، من دون أن نعرف غالباً لماذا هم مشهورون أساساً.

المهم أن ملايين الناس تتابعهم على حساباتهم المختلفة، وتراقب يومياتهم في أدقّ تفاصيلها؛ سفراتهم ومهماتهم وأعمالهم، إن وجدت، وأكلهم وشربهم وملابسهم وعمليات التجميل التي يجرونها بشكلٍ يكاد يكون يومياً، وتسوقهم الخيالي في محلات ومواقع إلكترونية وأسواق لا يدفعون لها فلساً واحداً.

بل هي التي تدفع لهم، نظير تصويرهم واستعراضهم بالملابس والطعام والأجهزة وغيرها من أشياء ضرورية أو كمالية أمام متابعيهم وإغرائهم بشرائها!

في البداية، كانت هذه الشريحة مكوّنة تحديداً من فتيات جميلات، يستعرضن الموضة الحديثة في الأزياء والأحذية وأدوات الزينة والتجميل والعطور.

كان الأمر مقبولاً إلى حد ما، لأنه بقي محصوراً في فئةٍ معينةٍ، قبل أن يستفحل كثيراً في الآونة الأخيرة، فتحول هذا النوع من الشهرة إلى هوس إلى الجميع تقريباً؛ رجال ونساء صغار وكبار وأطفال يستغلهم أهاليهم للهدف ذاته، ولا مانع في سبيل تحقيق ذلك الهدف من الانكشاف المرضي أمام الآخرين!

فيصوّر طالبو الشهرة المجانية في كل مكان وزمان، ولا يكادون يغادرون لحظة من لحظاتهم من دون تصوير ونشر. بل إن بعضهم لا يتورّع عن تصوير نفسه وهو في غرفة النوم، أو على السرير، بما قلّ من الثياب المخصصة للنوم فقط.

يريد الجميع أن يشرب من بئر الشهرة المفاجئة المجانية، ليصبح مشهوراً بعد أن اكتشف، من خلال النماذج السائدة، أن الشهرة لا تتطلب جهداً كثيراً.

وفي المقابل، هي تدرّ الكثير من الأموال والهدايا والنفوذ المعلن والخفي، وتقدّمك للمجتمع نجماً لامعاً يشعر بالغيرة منك، حتى الذين وصلوا الليل بالنهار في جامعاتهم ودروسهم وأبحاثهم، وحصلوا على أعلى الشهادات، لكنهم مضوا في حال سبيلهم مجهولين، وأحياناً معدمين.

قبل أيام، راجت تغريدة في منصة تويتر لطبيبةٍ تقارن نفسها بواحدة من المشاهير، وتندبُ حظها، لأن المقارنة على صعيد الشهرة والنجومية والمال والأعمال كانت لمصلحة تلك الفتاة التي اشتهرت خلال أقل من دقيقة واحدة بمشهد وصف بالتفاهة.

ولاحظت أن كثيرين لاموا الطبيبة على شعورها بالغيرة، على اعتبار أن المقارنة لا تجوز بين الحالتين، ولكنني أرى أنه شعور مفهوم ومقبول، بالنظر إلى النتائج المتحصلة من المقارنة، ومدى قبولها اجتماعياً في الوقت الراهن.

خطورة مثل هؤلاء المشاهير من السطحيين والغارقين في تفاهتهم من دون محتوى حقيقي تكمن في أن المجتمع بدوره أصبح يصوّرهم قدوة ونموذجاً للنجاح المطلوب، فيتهافت لا على متابتعهم وحسب، بل على شراء ما يروّجونه من سلع، غالباً ما تكون كماليات غير ضرورية، تباع من خلال هؤلاء المشاهير بأضعاف أسعارها الحقيقية، ما أسهم في إرهاق ميزانيات الأسر، وشكّل ضغطاً ثقيلاً على الآباء والأمهات.

لا أغادر هذه المقالة قبل الإشارة إلى استثناءات جميلة في عالم الشهرة المجانية، وإن كانت قليلة جداً، لكنها موجودة، وأتمنّى لو عزّزنا وجودها بالإسهام في إيجاد نماذج مشابهة لها.

فهناك من استغلّ شهرته المفاجئة، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بأعمال الخير ومساعدة الآخرين وتقديم محتوى هادف ومفيد على الصعيدين، الاجتماعي والثقافي، بل أيضاً على الصعيدين، الترفيهي والتربوي.
ولأن موج وسائل التواصل الاجتماعي عالٍ وقوي جداً، من الحكمة عدم محاولة الوقوف في وجهه، لأنها محاولة فاشلة، وبدلاً من ذلك محاولة الاستفادة منه وتوجيه ما انحرف من مساراته قدر الإمكان.

* سعدية مفرح كاتبة وصحفية وشاعرة كويتية
المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

مقاربات بين النهضة والثقافة والحضارة

قد يعجبك ايضا