من «ويستفاليا» إلى «حق التدخل»

أوروبا قدست سياداتها ودافعت عنها بالحديد والنار والدم لم تلقِ بالاً لسيادات دول وشعوب أخرى خارج أوروبا وأمريكا.

اندفعت أوروبا بجيوشها محمولة على صهوة مصالح الرأسمالية لتحطيم سيادة تلك الشعوب، ولغزوِ أراضيها وانتهاب ثرواتها.

مبدأ «حق التدخل» يخوّل «الحق» في انتهاك سيادات دول بعينها غير مرغوب في أنظمتها بدعوى انتهاكها لحقوق الإنسان مثلاً.

في العولمة لم يعد من مفعولٍ لنظام ويستفاليا للسيادة ولا يستطاع الدفاع عنها بوجه زحف العولمة لذلك باتت تبدو كأنها ماض تولى: زمن الدولة الوطنية.

أسوأ ما في العولمة اندفاع بعض قواها للجهر السياسي غير القانوني بمشروعية إسقاط مبدأ السيادة من الأساس وإلغاؤه بالكامل وترسيخ مبدأ نقيض: «حق التدخل».

دعوى انتهاك الحقوق انتقائية ويزعُم أصحابها أنهم قيّمون على تطبيق القانون الدولي في حين ينتهكون تلك الحقوق في بلدانهم وبلدان العالم الأخرى التي يعتدون على شعوبها بالحروب والعقوبات الاقتصادية.

* * *

بقلم: عبد الإله بلقزيز

لا يخامرنا شك في أن واحداً من أعظم نجاحات أوروبا والغرب، في القرون الثلاثة الأخيرة، هو اهتداؤهما إلى إقامة الدولة الوطنية الحديثة. وهي التي كانت الأداة الأفعل في سيرة المكتسبات الجزيلة التي أنجزها الغرب منذ القرن الثامن عشر.

وأسس أساسات هذه الدولة السيادة الوطنية؛ فإلى أن هذه تسلّم، من حيث المبدأ، بحق شعب أو أمة في حيازة كيان سياسي قومي خاص، تُقرر أن الشعب هذا يكون سيداً على نفسه في الكيان ذاك، وسيداً على ثرواته ومقدراته وحدوده وأرضه لا ينازعه على ذلك أحد.

وغني عن البيان أن فكرة السيادة قديمة قِدم الإمبراطوريات والدول، وأن حروباً عدة في التاريخ دارت عليها هجوماً ودفاعاً؛ إما قصد تحطيم سيادات واستباحتها لغرض التوسع، أو دفاعاً عنها ضد ما يتهددها من أخطار الانتهاك.

غير أن الفكرة شهدت على اندفاعة أكبر في القرن السادس عشر، ووجدت أعلى أشكال التعبير الفكري عنها في أواخر القرن عينه مع بودان؛ الفيلسوف والقانوني الفرنسي.

وما كانت السيادة لتعني شيئاً آخر سوى أنها سيادة جماعة وطنية، بمكوناتها الدينية والمذهبية كافة، على كيانها وأراضيها. ومعنى ذلك أن مبناها كسيادة على الجماعة السياسية الجامعة لا على الجماعات الدينية المتباينة.

ولقد كان دالاً تمام الدلالة، تاريخياً ومضموناً سياسياً، أن تكون أول معاهدة سياسية أوروبية تبرم لحفظ السيادة والاتفاق على احترامها الجماعي المتبادل، هي تلك التي أبرمت، في عام 1648، في ويستفاليا وحملت اسمها، وأتت – في الوقت عينه – تضع نهاية لأشد فصول الحروب الدينية دموية؛ تلك التي نعتت باسم حرب الثلاثين عاماً (1618-1648).

لكن أزمة السيادة تجددت مع انطلاق الحروب الناپوليونية في أوروبا، غداة الثورة الفرنسية، وانطلاق موجة التوحيد القومي في أوروبا. مع ذلك، كان الرجوع إلى أحكام معاهدة ويستفاليا وحده يضع لها حداً ويحفظ السيادات و بالتالي، كيانات الدول القائمة.

غير أن أوروبا التي قدست سياداتها ودافعت عنها بالحديد والنار والدم، لم تلقِ بالاً ولا اعتباراً لسيادات دول وشعوب أخرى خارج قارتها والقارة الأمريكية، فاندفعت بجيوشها – محمولة على صهوة مصالح الرأسمال- لتحطيم سيادة تلك الشعوب، ولغزوِ أراضيها وانتهاب ثرواتها.

لم تكن أحكام ويستفاليا تشمل تلك الشعوب والبلدان الواقعة خارج أوروبا أو قل، لم يكن تأويل الدول الأوروبية لأحكام المعاهدة ليستدخل غير أوروبا في نطاق تلك الأحكام؛ ذلك أن ما يقع خارج أوروبا لا ينطبق عليه – في العقل العنصري المركزي الأوروبي – قانون المدنية الحديثة، ولا يملك الحق عينَه في السيادة الذي تملكه شعوب أوروبا ودولها.

اليوم، في عصر العولمة؛ حيث الاقتصاد والتجارة والثقافة والسياسة نزّاعة إلى التعولم وتحطيم الحدود والسيادات، لم يعد من مفعولٍ لنظام السيادة المنصوص عليه في معاهدة ويستفاليا، ولا عاد يستطاع الدفاع عنها في وجه جرافة هذا الزحف العولمي المتمادي، لذلك باتت تبدو، شيئاً فشيئاً، وكأنها جزء من زمن ماض تولى: زمن الدولة الوطنية.

لا أبغي القول إن هذه الدولة انتهى عهدها، تماماً، وأننا دخلنا عهد «ما بعد الدولة»، لكني أشدد على أنها تمر بطور حاد من الأزمة التكوينية عنوانها الفِقدان التدريجي للسيادة (وهي اِسمنتها الذي به قوامها).

وليس يغيّر من حقيقة ذلك أن السيادة ما زالت محفوظة- نظرياً- في ميثاق الأمم المتحدة وقوانين منظماتها؛ فالعولمة تفرض، اليوم، ناموسها الأعلى والأوحد، وتعطل مفعول أحكام القانون الدولي. وهو الأمر الذي تعانيه حتى سيادات دول كبرى في العالم تنتمي إلى عالم الميتروپولات الرأسمالية (مثل دول الاتحاد الأوروبي) وليس الدول الصغرى حصراً.

غير أن أسوأ ما في سيرة العولمة مع السيادات هو اندفاع بعض قواها إلى الجهر السياسي – غير القانوني – بمشروعية إسقاط مبدأ السيادة، من الأساس، ورفع الحرمة عنه رفعاً كاملاً من طريق ترسيخ مبدأ نقيض هو «حق التدخل».

إن مبدأ «حق التدخل» يخوّل «الحق» في انتهاك سيادات دول بعينها غير مرغوب في أنظمتها بدعوى انتهاكها لحقوق الإنسان مثلاً. وهي دعوى انتقائية، في المقام الأول، ويزعُم أصحابها لأنفسهم بأنهم القيّمون على تطبيق القانون الدولي.

وفي الوقت عينه ينتهكون هم تلك الحقوق في بلدانهم (ضد مواطنيهم السود والمهاجرين مثلاً)، وفي بلدان العالم الأخرى التي يعتدون على شعوبها بالحروب والعقوبات الاقتصادية.

* د. عبد الإله بلقزيز كاتب ومفكر مغربي

المصدر| الخليج

موضوعات تهمك:

أزمات أوروبا الجديدة

قد يعجبك ايضا