مسمار جحا الروسي وعقلانية كانط

العنوان البارز الذي قد يشكل مفاجأة استراتيجية هي منطقة «كاليننغراد» التي تعد «مسمار جحا الروسي وسط الغرب».

هل كان جحا يدرك أنه بحيلة المسمار والمنزل سيمنح بوتين حيلة جيوسياسية قد تهز العالم، إذا انفجرت وهي مشكل كالينينغراد؟!

السكان الروس هم العنصر المفجر للتوتر الخطير بين روسيا وأوكرانيا حاليا إذ تهدد موسكو بالتدخل لفرض واقع جديد في إقليمي لوغانسك ودونيتسك.

المتأمل في خريطة البلطيق، سيدرك أننا في الوسط، وكل من يسيطر على جزيرة غوتلاند بليغا سيتحكم في عمليات الإبحار جوا وبحرا في البلطيق.

مسمار جحا الترابي المباشر هو منطقة كالينينغراد، الواقعة بين لثوانيا وبولندا، وعلى مقربة من ألمانيا وتطل على معظم الدول الإسكندنافية في بحر البلطيق.

مسمار جحا البشري (السكاني) الروسية، فهو شريحة من مواطنين مقيمين بمختلف الجمهوريات السوفياتية السابقة مازالوا يتحدثون اللغة الروسية ولهم ارتباط بروسيا الأم.

مشكل كاليننغراد قابل للانفجار ومغامرة روسية مستقبلا، بعدما طبقت روسيا استراتيجية A2/AD الحربية: فرض نظام حظر الوصول للمنطقة تحت تهديد التعرض لخسائر فادحة.

* * *

بقلم: حسين مجدوبي

حكاية مسمار جحا مشهورة في التراث العربي، وتروي كيف باعت هذه الشخصية الفكاهية المعبرة عن الكثير من معاني الحياة المعيشية وقتها، منزلا وأبقى فيه على مسمار، وجعل منه ذريعة لزيارة المنزل في أي وقت يشاء، حتى جعل المالك يبيع المنزل ليتخلص من صداع جحا.
ويبدو أن روسيا تطبق هذه الاستراتيجية في استعادة نفوذها في المحيط المجاور لها، خاصة في الجمهوريات السوفياتية السابقة، ويبقى العنوان البارز الذي قد يشكل مفاجأة استراتيجية هي منطقة «كاليننغراد» التي تعد «مسمار جحا الروسي وسط الغرب».
وعملية البحث عن مفهوم دلالي لمسمار جحا الروسي في محيطه، ستقودنا إلى مسامير عديدة مختلفة ومتنوعة بتعدد المناطق، بشرية في بعض الأحيان وترابية في أحيان أخرى.
وعلاقة بمفهوم مسمار جحا البشري (السكاني) في الحالة الروسية، فهو يتجلى في تلك الشريحة من المواطنين المقيمين في مختلف الجمهوريات السوفياتية سابقا الذين مازالوا يتحدثون اللغة الروسية ولهم ارتباط بروسيا الأم، أكثر من الجمهوريات التي قامت بعد سقوط جدار برلين وانهيار الاتحاد السوفياتي.
وهذا هو العامل الذي يفسر تدخل روسيا في جمهورية جورجيا سنة 2008 لحماية الأقلية الروسية في أوسيتيا الجنوبية. وهو السبب نفسه الذي جرى التذرع به لضم شبه جزيرة القرم سنة 2014. وهو العنصر المفجر للتوتر الخطير بين روسيا وأوكرانيا حاليا، حيث تهدد موسكو بالتدخل لفرض واقع جديد في إقليمي لوغانسك ودونيتسك.
المتأمل في خريطة روسيا وما جاورها، يجد كثرة مسامير جحا الروسية، غير أنه يوجد مسمار فريد من نوعه ويتعلق هذه المرة، بما هو ترابي مباشرة، إنها منطقة كالينينغراد، الواقعة بين لتوانيا وبولندا، وعلى مقربة من منطقة ألمانيا وتطل على معظم الدول الإسكندنافية في بحر البلطيق.
وهي من المناطق التي تشكل مفاجأة للكثير من المتتبعين، علما بأن العلاقات الدولية مليئة بالمفاجآت من هذا النوع. ويمكن الحديث عن واحدة منها، عندما تسأل الكثيرين عن أطول حدود برية لفرنسا سيكون الجواب ألمانيا أو إسبانيا، لكن المفاجأة الكبرى أن أطول حدود برية فرنسية هي مع البرازيل بحكم استمرار فرنسا في غويانا التي تعتبرها أرضا فرنسية وأوروبية، وتبلغ هذه الحدود 730 كلم.
كاليننغراد من عناوين الحروب الأوروبية خلال القرون الأخيرة، هذه البقعة التي لا تزيد مساحتها عن 215 كلم مربع، ويسكنها أقل من نصف مليون نسمة، كانت تخضع للسيادة الألمانية، لتنتهي سنة 1945 تحت السيطرة السوفياتية، حيث قام الكرملين وقتها بطرد الألمان والقضاء على كل ما هو ألماني، وإحلال كل ما هو روسي محله.
ورغم تفكك الاتحاد السوفياتي، وظهور دويلات في البلطيق، بقيت كاليننغراد روسية واكتسبت أهمية خاصة لتصبح مسمار جحا الاستراتيجي. حاول الغرب بشتى الطرق إقناع روسيا بالتخلي عن هذه الأراضي، وجعلها تستقل مثل باقي دول المنطقة الصغيرة مثل لاتفيا وليتوانيا وإستونيا.
وجرى الحديث سنة 2001 عن رغبة ألمانيا شراء هذه المنطقة، عبر إعفاء روسيا من الديون المستحقة وقتها، التي تجاوزت 25 مليار يورو، لكن روسيا لم تكرر الخطأ التاريخي الكبير عندما باع القيصر ولاية ألاسكا للأمريكيين في القرن التاسع عشر بثمن بخس.
كما لم تقدم ألمانيا على المطالبة باستعادة السيادة على هذا الجزء منها، بل فتحت سنة 2004 ممثلية دبلوماسية فيه. وتوجد دراسات متعددة حول هذا الجيب الأرضي الروسي في قلب البلطيق، وهو قادر على خلق «مفاجأة استراتيجية» بمعنى التحول إلى قاعدة عسكرية تزرع الرعب في المنطقة، أو التسبب في حروب على شاكلة أوكرانيا.
وبمجرد ارتفاع التوتر في أوكرانيا وتعزيز روسيا قواتها العسكرية في كاليننغراد، ردت السويد خلال الأسبوعين الأخيرين بإرسال قوات عسكرية إلى جزيرة غوتلاند المقابلة لكاليننغراد.
وكان تصريح ماتياس أردين قائد القوات العسكرية السويدية في جزيرة غوتلاند بليغا مؤخرا، بقوله: «المتأمل في خريطة البلطيق، سيدرك أننا في الوسط، وكل من يسيطر على الجزيرة سيتحكم في عمليات الإبحار جوا وبحرا» في إشارة إلى التحكم في حرية الملاحة البحرية والجوية في البلطيق.
مشكل كاليننغراد قابل للانفجار، وتتخوف لثوانيا وبولندا من أن يكون سببا في مغامرة روسية مستقبلا، لاسيما بعدما طبقت روسيا الاستراتيجية الحربية «A2/AD» التي تعني فرض نظام حظر الوصول إلى المنطقة تحت تهديد التعرض للخسائر الفادحة.
لقد تحولت هذه البقعة إلى قاعدة عسكرية متقدمة بعدما احتضنت صواريخ روسية تطل على أوروبا مباشرة، قادرة على شل جزء مهم من أوروبا الشمالية، وكان الباحث فرانك تيتون قد كتب كتابا رائعا حول هذه المسألة يحمل عنوان «جيوسياسية كاليننغراد: جزيرة روسية وسط الاتحاد الأوروبي».
وأمام التطورات الحالية، يعمل الغرب على نهج إخماد أي حريق قد يندلع بسبب كاليننغراد حتى لا تجدها موسكو ذريعة لخلق مشاكل لبولونيا وليتوانيا. ومن ضمن الأمثلة، عندما أدلى الرئيس فلاديمير بوتين بتصريح مقلق، معتبرا محاصرة الدول الأوروبية لسكان كاليننغراد بالتأشيرة للمرور إلى روسيا هو خرق كبير لحقوق الإنسان.
لم تتأخر ليثوانيا، الحلقة الضعيفة في المنطقة، في منح ترخيص خاص للروس حتى يتمكنوا من السفر من كاليننغراد إلى بيلاروسيا ثم روسيا بدون مشاكل.
ومن الصدف التاريخية، كان اسم كاليننغراد قبل سقوطها تحت السيطرة السوفييتية سنة 1945 كونيغسبرغ، واشتهرت بكونها مسقط رأس أحد كبار الفلاسفة إيمانويل كانط عندما كانت جزءا من بروسيا الألمانية.
واشتهر كانط بأطروحاته الفلسفية ومنها «نقد العقل» بدعوته الناس إلى الاهتمام أساسا بما يمكن فهمه والبرهنة عليه علميا، غير أن أطروحة كانط تبقى قاصرة على فهم «العقل الجيوسياسي» لفلاديمير بوتين، لأنه يخضع لمفهوم «مسمار جحا» وجعل من مدينة مسقط كانط «مسمار جحا الروسي في الغرب».
فهل كان جحا يدرك أنه بحيلة المسمار والمنزل سيمنح بوتين حيلة جيوسياسية قد تهز العالم، إذا انفجرت مشكل كاليننغراد، هذا المشكل الذي يشبه البركان الخامد والقابل للانفجار في أي لحظة!

* د. حسين مجدوبي كاتب وباحث مغربي
المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

ذا هيل: هذه هي استراتيجية بوتين طويلة المدى في أوروبا الشرقية

قد يعجبك ايضا