ما بين بريطانيا وأمريكا

ما بين بريطانيا وأمريكا

  • في حرب احتلال العراق أصبحت بريطانيا بلير شريكاً أساسياً في العدوان بكافة صوره.
  • جرى تحويل العراق إلى مختبر لنظرية «الفوضى الخلاّقة» التي سوّقتها كوندليزا رايس، أحد أبرز وجوه إدارة بوش الابن!
  • التفكير الأمريكي لا يستوعب فقط الأدب الإنجليزي وإنما أدب عدة شعوب أوروبية.
  • الانطباع السائد لدى الأمريكيين حول أن أدبهم الخاص ملحق بالأدب الإنجليزي ينطوي على تضليل.

بقلم: حسن مدن

أخالنا جميعاً نعلم أن ثمة علاقة ملتبسة ومعقدة بين بريطانيا والولايات المتحدة الأمريكية في حقولٍ شتى.

في العقود القليلة الماضية بدت السياسة الخارجية البريطانية أشبه ما تكون بالتابعة، حيث يصعب العثور على فوارق جوهرية بين سياستي البلدين، بل إن الأمر يتخطى حدود السياسة الخارجية، ويمتد حتى إلى طبيعة الفلسفة الاجتماعية – الاقتصادية للتسيير.

وحسبنا هنا أن نعيد إلى الذاكرة الثنائي الأشهر في العلاقات بين البلدين، ونعني به ثنائي ريغان- تاتشر عشية وغداة انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي وفقدانه النفوذ في أوروبا الشرقية.

لم تكتف تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا عن حزب المحافظين بأن جعلت من السياسة الخارجية لبلادها مجرد ملحق بالسياسة الخارجية لإدارة الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في مواجهة ما وصف يومها بالخطر السوفياتي أو الشيوعي، وإنما تماهت معه حتى في السياسات الداخلية.

وهي السياسات التي أرست القواعد لنهج المحافظين الجدد الذي أوصل إلى سدة الرئاسة، وعلى التوالي الثنائي بوش، الأب والابن، وهو توال قطعته ولاية الرئيس الديمقراطي بيل كلينتون، وما بدأه بوش الأب استكمله بعد سنوات بوش الابن بغزو العراق.

هنا أيضاً وجد البيت الأبيض بواشنطن من مقر رئيس الوزراء البريطاني في “10 دواننغ ستريت” بلندن كل الانسجام، لنصبح أمام ثنائي أمريكي – بريطاني آخر، هو ثنائي جورج بوش الابن – انطوني بلير.

والمفارقة أن بلير لم يكن رئيساً للحكومة عن حزب المحافظين مثل تاتشر التي كانت متسقة في سياساتها مع طبيعة حزبها، حزب المحافظين وتوجهاته اليمينية التي تجاهر بها وتفخر، وإنما كان من حزب العمال الذي يفترض في سياساته أن تكون أقل غلواء في محافظتها عن سياسات المحافظين، كي لا نقول مختلفة.

لقد كان الاختبار الحقيقي لهذا التناغم في حرب احتلال العراق، حيث أصبحت بريطانيا – بلير شريكاً أساسياً في هذا العدوان، بكافة الصور: عسكرياً ولوجستياً وسياسياً، وفي الدعاية الإعلامية المموهة على الأغراض الحقيقية من وراء احتلال العراق ومن ثم تفكيك بنى الدولة فيه، وحل الجيش، وإدخاله في حال من الفوضى العارمة، بتمكين الميليشيات المسلحة بكافة تلاوينها.

في واقع الأمر جرى تحويل العراق بالذات إلى مختبر نموذجي لنظرية «الفوضى الخلاّقة» التي سوّقتها كوندليزا رايس، أحد أبرز وجوه إدارة بوش الابن، ويمكن القول اليوم إن هذه النظرية، التي لم تكن بريطانيا بعيدة عنها، أثبتت فعاليتها في تحقيق الغايات المرجوة منها، والدليل على ذلك الفصول المتتالية من الحروب والفتن والأزمات التي عرفها العالم العربي.

هل تُسرق اللغة؟

في سياق العلاقة المعقدة بين الولايات المتحدة وبريطانيا، وميل الأخيرة إلى مماهاة سياساتها الخارجية خاصة مع الموقف الأمريكي، نود أن نقارب جانباً آخر من هذه العلاقة شديد الحساسية والتعقيد أيضاً، هو الجانب المتصل بالثقافة، وباللغة خاصة.

فاللغة الإنجليزية بالذات أصبحت لغة الولايات المتحدة التي هي بالأساس بلد مهاجرين، بداية من البلدان الأوروبية، ولاحقاً من شتى بلدان العالم لها لغات وثقافات مختلفة، كالصين والهند مثلاً والعديد من بلدان أمريكا اللاتينية الناطقة باللغة الإسبانية.

على خلاف ما يبدو في الظاهر من أن هذه الحقيقة يمكن أن تحسب في صالح بريطانيا، كون لغتها باتت، أيضاً، لغة البلد الأكبر والأغنى والأقوى في العالم، حتى الآن على الأقل، إلا أن الأمر ليس بهذا التبسيط.

باحث إنجليزي في الأدب المقارن اسمه هنري غيفورد ناقش هذا الموضوع بشيء من الاستفاضة في كتاب يحمل العنوان نفسه، أي “الأدب المقارن”، ورغم أن الطبعة الأولى للكتاب صدرت في نهاية الستينات، بالضبط في 1969، أي قبل نصف قرن بالضبط، لكن ما طرحه بهذا الخصوص يظل شديد الراهنية حتى اليوم.

يذكر أن الدكتور فؤاد عبدالمطلب وضع ترجمة عربية لهذا الكتاب، صدرت في دمشق بداية هذه الألفية، صدّرها بمقدمة، وفي الكتاب يرى مؤلفه أن الانطباع السائد لدى الكتاب والقراء الأمريكيين حول أن أدبهم الخاص ملحق بالأدب الإنجليزي ينطوي على شيء من التضليل حتى إن لم يعِ هؤلاء ذلك.

التفكير الأمريكي لا يستوعب فقط الأدب الإنجليزي وإنما أدب نصف دزينة من الشعوب الأوروبية على الأقل، واتسع هذا الاستيعاب مع الوقت ليشمل ثقافات وآداب بلدان نائية عن أمريكا مثل الهند واليابان والصين، بالنظر إلى العدد الكبير من مهاجري هذه البلدان إلى أمريكا، والذين أصبح أدباؤها مع الوقت يكتبون بالإنجليزية، لكنهم في دواخلهم ووعيهم محملون بالكثير من ثقافة وأدب البلدان التي هاجروا هم أو آباؤهم وحتى أجدادهم منها إلى أمريكا.

لا أعلم لماذا انتابني شعور بأن هذا الكاتب يوشك أن يقول إن اللغة الإنجليزية سُرقت من قبل الأمريكيين، رغم أنه لم يستخدم هذا التعبير أبداً، أو حتى يلمح إليه، لكنه قال ما معناه: إن أطراف موطن لغتنا ومجالاتها الأكثر حساسية وحميمية، ويقصد اللغة الإنجليزية من حيث هي في الأصل لغة الإنجليز، يتم غزوها الآن. «إن «إنجليزية» اللغة الإنجليزية تبدأ بالاستسلام الآن»، والتعبير له.

* د. حسن مدن كاتب صحفي من البحرين
المصدر: الخليج – الشارقة

موضوعات تهمك:

محاكم التفتيش الحديثة

خفايا الحملة الصليببية لترامب

قد يعجبك ايضا