لبـوة ربضـت ــ 1

بقلم :  أحمد عزت سليم … مستشار التحرير

  بيوت نقرة صابحة متراصة ومتداخلة ومتشابكة من الخارج والداخل ، كل بيت فيه خمسة من النسوان ، فى الدور الأول قد تجلس إثنتان فى الأغلب الأعم والأخريان فى الدور الثانى ، وتجلس المعلمة منهن فى البهو الرئيسى ، وإن كان للبيت دور ثالث فهو يجهز لها وحدها فقط ، فيما عدا بيت حنه ستيللا فله سبع بلكونات تدور سبع مرات حول البيت ذى الأربع نواص بأفاريز كوفية الكتابة ، بخطوط حادَة إلى الداخل على مدخل ذى قبة كبيرة من الجص رصعتها فتيات مطموسات المعالم لا يستبين من نحتها إلا بقايا أجساد تحت غلالات شفافة وتحت القبة يقف الباب موصداً فى وجهك وجامد الملامح حتى تطلع عليه حنه ستيللا بهيـة ، بيضاء التقاسيم فيبتهج ثم تجلس على دكتها ولباسها الإرجوانى يتطاير فى وجه المارة ولا يعكر صفوها إلا هانم القرعة التى تجلس أمام بيتها بدون كلوت ثم تشلح كى تغرى الزبائن الذين يتوافدون عليها بعشرة قروش فقط وأحياناً بخمسة قروش وزجاجة خمر أو إبريق مملوء بالبوظة .

     لم تكن الست حسنة العرساية تطيق هانم القرعة ، كانت تجلس بنفسها  على قهوة البوسطجية المقابلة لبيت هانم القرعة ومعها صبيتان أجمل من مائة مثل هانم القرعة ، والصبيتان يتشخلعان ويتفننان فى جذب الزبائن لبيت سيدتهما الست حسنة العرساية بسبعة قروش فقط وأحياناً بثلاثة قروش ونصف ، ثم اشترت الست حسنة العرساية القهوة وأحضرت لها الموالجية والطبلجية وعملت الصبيتان راقصتين على إيقاعات الصاجات والمواويل .

     لكن الست حسنة العرساية كانت تتعجب لماذا يصر البهوات على طرق أبواب هانم القرعة ؟ رغم كل ما تفعله من رقص وطرب وتشليح ودق على الصاجات والبزاز .

     كانت حنه ستيللا واقعة بين القوى العظمى لا تعرف ماذا تفعل لهانم القرعة ولا للست حسنة العرساية ؟ منذ أن سكنت نقرة صابحة القريبة من جامع الخبى بناءاً على رسالة وصلتها من بولياكوف وتضمنت تعليمات مباشرة من يوئيل أن تتدبر أمرها فى المنزل الذى ستجده فى النقرة ، والمسجل باسمها ، حتى يأتيها زوجها موشيه موصيرى مرة أخرى .

     ترك موشيه موصيرى زوجته حنه ستيللا وذهبت ليقيم للرب دولته فى فلسطين بناءاً على الأوامر المباشرة من يوئيل وبقيت حنه وحدها فى القاهرة لتدير أموال وشركات زوجها دون أن يشعر أحد من الأدنياء بغيابه المتقطع ، وما أن يحضر موشيه موصيرى حتى ينقل ما تستطيع عربته التى أهداها له الجيش الإنجليزى بناءاً على توصية خاصة أرسلها ناحوم أفندى الحاخام إلى صديق عمره الحاخام أبى هليل ممثل شعب الرب إلى فرانكلين روزفلت ، والذى سعى إلى تشرشل حليفه الكبير ورجاه تسهيل مأمورية الصفى موشيه موصيرى عريس يسرائيل ، وسعى إلياهوساسون بناءاً على طلب ناحوم أفندى ، إلى رئيس الوزراء المصرى إسماعيل صدقى الحبيب كى يسهل مهمة العربة إذا سارت فى الخطوط الحربية المصرية ثم جدد التصريح الحاخام ستيفن وايز بناءاً على توصية من الرئيس الحبيب ترومان بعد أن خلف روزفلت ، حتى إذا دخل الصفى موشيه موصيرى الخطوط الأردنية أبرز تصريح جلوب باشا البريطانى قائد الفيلق العربى فتجرى عربته من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق كالرهوان حاملة بضاعة يوئيل المستردة لشعب الرب العائد .

       كانت حنه ستيللا وقتها تشعر أنها تملك الدنيا وأنها القوة الوحيدة من النيل إلى الفرات ، وأن زوجها قد تربع  على عرشها ، فأخذت ترقص وتلف حول نفسها المرة تلوالمرة حتى أتم يوئيل نعمته عليها وسبغها على بولياكوف وأعلن قيام دولته ، فصعدت تجرى وتروح إلى صفحة النيل فى انتظار حبيبها عريس يسرائيل .

     قبل ثورة 23 يوليو بشهرين على الأكثر تحقق حلمها وكان زوجها موشيه موصيرى بين أحضانها ينعم برحيقها النفاذ ، ويستعرض بين يديها كيف تدار البقية الباقية من أمواله فى مصر؟ بعد أن ساءت أحوال البلاد وخاصة أن يوئيل قد أبلغ بولياكوف خشيته أن تقع مصر فى يد العسكر وأن برقية بهذا المعنى وصلته من ترومان وبالتالى تضيع أمواله ولا يكون له أصدقاء فى القصر يحبهم ويحبونه ، انزعجت حنه ورجت أن يأخذها  إلى أرض الرب لتنعم به فى دولته هناك .

     جمع موشيه موصيرى الذهب والفضة والجنيهات الإسترلينية ، جهز حقائبه ، طلع إلى حنه ، أوقد شمعدانه وأخذها بين أنواره التسعة ، وقام على صدرها يهتف : أنا سلطان على عرش مصـر ، وهى تهتف وراءه وتلفه بين فخديها ويهتفان معاً : هذا هواليوم الذى صنعه جيشك يا إسرائيل ، فيفرح موشيه ويطلع  إلى الهواء ، يركض فى رياحه المدججة برمل السرة ولحظة الزرقة الداكنة التى انغرست فى رجفته وطلعت بوجهها الرخامى على شعر حنه الأحمر كإكليل انفرط ورده على سرير الماء ، فتأوهت حنه وتخللت الترانيم التى فارت من مزامير عريس يسرائيل ودخلت معه الماء ، داعبتها الشواطئ من النيل إلى الفرات ، وعندما جلسا معاً على حافة الماء ، أبلغها موشيه ببرقية بولياكوف وتعليمات يوئيل المباشرة والتى وردته سراً وتواً من السفارة الأمريكية بالقاهرة بأن تذهب حنه وتسكن فى بيت الرب بنقرة صابحة بجانب كنيس الأستاذ وبالقرب من جامع الخبى حتى تأتيها أوامر جديدة من يوئيل .

     أخذت حنه ستيللا وجه القبيلة ، ودعت زوجها وغابت فى خرائط البلاد حتى أتت نقرة صابحة وذهب موشيه موصيرى بحقائبه عائداً إلى أرض الرب ، تنفتح له الأبواب قبل أن يطرقها .

     تحرك الحمل فى أحشاء حنه ، فرحت ، راودتها المينوراة ، وبولياكوف يطير فى السماء والساعات تجرى وراءه أربع …. أربع وهو يحمل عرش الأرض والآلاف من أبناء الأرض يتدفقون بالعطايا والمراسيم ، والطقوس تتصاعد من داخل البوق وتلتف فى فندق مينا هاوس على صفحة النيل فتنفتح الكنوز على ضفتى العرش فتجلس وحدها وطائر صغير يرف حولها ويطلع إلى الأعالى منوراً كقضيب ماحق بالنار والغلمة فتفيض بالرضاب والعسل والوهج .

موضوعات تهمك:

لماذا تمكث التماسيح طويلا تحت الماء ؟ !

الهدف الحقيقى للكيان الصهيونى هو إعادة مملكة سليمان إلى حدودها التوراتية

 

قد يعجبك ايضا