عقدة «الوزير المرعوب» في الأردن

طرح برلمانيون عراقيون سؤالا واحدا محددا: لماذا لا يُحضِر وزراؤكم عندما يزورون بغداد معهم صلاحيات التوقيع واتخاذ القرار؟

لاحظ كثيرون بأن الموظف الأردني عندما يحضر الاجتماع الرسمي يكثر من التردد ولا يحسم الأمور ولا يوقع الأوراق في التوقيت المناسب.

في الرحلات الخارجية يذهب المسؤول الأردني للاشتباك بدون تفويض وصلاحيات ويبدو عليه القلق قبل أي مظهر آخر ويتصرف كأن الريح تحته.

أزمة مصداقية بين المسؤول الأردني والرأي العام جعلت المسؤول في حالة تردد وهواجس ومخاوف من التعرض لاتهامات وأحيانا ملاحقات.

الوزير الأردني يعمل وفي ذهنه الباطني إرضاء عدة مرجعيات معا مما يجعله مرتبكا بطيئا بل زاحفا مترددا فتنتهي العديد من الملفات بعدم إرضاء أي جهة!

مسؤولون دبلوماسيون أوصلوا دوائر القرار لاستنتاجات خاطئة بعد تفويضات أمريكية لتحسين الاقتصاد الأردني ومعالجة مشاكل استثمار وصناعة وتجارة بالأردن.

المسالة هي غياب مفهوم الولاية العامة للحكومة حيث أنها وأجهزتها وأدواتها ووزراءها يمثلون الجهة التي ينبغي أن تتخذ القرارات بعد اعتمادها من المطبخ السياسي أو المطبخ السيادي بالدولة.

* * *

بقلم: بسام البدارين

لا أحد يعرف بعد ما الذي يحصل بصورة محددة عندما يتعلق الأمر بآلية اتخاذ القرار بالنسبة لقطاع واسع من المسؤولين والوزراء والموظفين في المشهد المحلي الأردني.

رغم ذلك الانطباع يتكدس ويتكرس بأن المسؤول الأردني يذهب للاشتباك خاصة في الرحلات الخارجية بدون تفويضات وبدون صلاحيات ويبدو عليه القلق قبل أي مظهر آخر ويتصرف وكأن الريح تحته. رصدت العديد من القرارات الخاطئة لمسارات الأحداث مؤخرا.

وثمة أمثلة بالجملة الآن على نتائج خاطئة توصلت لها المؤسسات الأردنية بعد قراءة خاطئة من قبل المسؤولين التنفيذيين، وللأسف الشديد يستمر ذلك بالحدوث على المستوى النخبوي وعلى مستوى الأدوات التنفيذية.

في حين تؤسس الاختراقات المرجعية والملكية والسيادية رؤية ناضجة جدا وفعالة، وأرضا خصبة لقطف الثمار والمكاسب من خلال الثقل الملكي الأردني ومن خلال السمعة الطيبة للدولة الأردنية وللمزاج الأردني المعتدل في الخارج تحديدا.

ليس سرا في أوساط نواب العاصمة الأردنية عمان بأن اللقاءات التي أجراها بعض نواب البرلمان في العراق مؤخرا تخللها طرح عدد كبير من البرلمانيين العراقيين لسؤال واحد ومحدد وهو: لماذا لا يحضر وزراؤكم عندما يزورون بغداد معهم صلاحيات التوقيع واتخاذ القرار؟

تبدو مفارقة صعبة ومعقدة عندما تطرح مثل هذه الملاحظة من قيادات في البرلمان أو الحكومة العراقية في بلد يشهد صراعات منذ أكثر من عقدين وتطرح مثل هذه الأسئلة من عراقيين على مسؤولين في بلد عريق في البيروقراطية ويفترض أن لديه تجربة 90 عاما في الإدارة العامة.

ثمة من يقول خلف الستارة الآن في عمان بأن بعض المسؤولين التنفيذيين خصوصا في المستوى الدبلوماسي أوصلوا دوائر القرار لاستنتاجات خاطئة بعد تفويضات أمريكية لها علاقة بتحسين بعض شروط الاقتصاد الأردني ومعالجة بعض مشكلات الاستثمار والصناعة والتجارة في الأردن.

ويبدو هنا أن المسألة حصريا لها علاقة بكيفية قراءة التضامن الرئاسي الأمريكي حيث الرئيس جو بايدن مع الأردن وعلى أساس أن مسؤولين ودبلوماسيين أمريكيين عادوا للفت نظراء أردنيين تنفيذيين لهم بأن القصة لم يكن المقصود فيها فتح آفاق التطبيع (مع النظام السوري) على مستوى القمة وبالشكل المتسارع الذي حصل حيث اتصالات هاتفية مع الرئيس السوري بشار الأسد، وحيث أن المسألة كانت تتعلق بصفة حصرية بتحسين التبادل التجاري أو الموافقة فقط على تحسين التبادل التجاري وليس عودة العلاقات والانفتاح على النظام السوري.

تلك قد تكون حادثة إذا ما كانت دقيقة طبعا تدلل على أن الجهاز الاستشاري، الذي يقود المشهد بين الحين والآخر، قد يتورط في تقديرات خاطئة.

حتى في القاهرة وبغداد وعواصم عربية لاحظ كثيرون بأن الموظف الأردني عندما يحضر الاجتماع الرسمي يكثر من التردد ولا يحسم الأمور ولا يوقع الأوراق في التوقيت المناسب لا بل يكثر من إجراء الاتصالات الهاتفية ومغادرة الاجتماعات.

أفهم شخصيا أن هذا السلوك الإنساني الطبيعي له ما يبرره في الواقع العملي. لكن أي مبرر تسقط أهميته في هذا المجال لأن المسالة في أصلها تتعلق بغياب مفهوم الولاية العامة للحكومة حيث أن الحكومة وأجهزتها وأدواتها ووزراءها هم يمثلون الجهة التي ينبغي أن تتخذ القرارات بعد اعتمادها من المطبخ السياسي أو حتى المطبخ السيادي في الدولة.

ما يحصل أن الموظف أو المسؤول لا يريد أن يتحمل العواقب لعدة أسباب أهمها حجم الإثارة والملاحقة والمشكلات التي يمكن أن تثار في وجهه خاصة تحت قبة البرلمان حيث أمطار من الأسئلة والاستجوابات أو عبر منصات المجتمع بصورة تثبت بأن أزمة المصداقية بين المواطن الأردني والرأي العام أو الشارع جعلت أي مسؤول أو موظف في حالة تردد وفي حالة هواجس ومخاوف من التعرض لاتهامات لا بل أحيانا لملاحقات.

المسالة الثانية التي يمكن أن تحضر في الذهن هو الخوف من تعدد الهيئات الرقابية المتعلقة بالفساد والمراجعات والخوف من السقوط من الوظيفة أو التعرض للملامة.

ولكن الأهم في رأيي وتقديري الشخصي أن المسؤول أو الوزير الأردني يعمل وفي ذهنه الباطني إرضاء عدة مرجعيات وعدة آباء في الوقت نفسه مما يجعله مرتبكا وبطيئا لا بل زاحفا ومترددا بحيث أن العديد من الملفات تنتهي بعدم إرضاء أي جهة أو أي أب.

ثمة تعبيرات لدولة عميقة لابد من إرضائها وثمة تحفيزات لإرضاء المسؤولين الاستشاريين الذين يمثلون حكومة ظل غير مسماة وغير معلنة، وثمة اعتبارات لإرضاء المسؤول الأكبر والأرفع تنفيذيا ثم رئاسة الوزراء ثم العديد من المؤسسات الموجودة. وهو أمر شاذ يكرس القناعة بأزمة الأدوات وهي أزمة تبدأ من عند العودة لتطبيق منهجين أولا الاحتكام للدستور وثانيا الاستثمار في الولاية العامة مجددا.

الاستمرار في هذه الحالة يعني الاستسلام دوما لإحدى أكثر أعراض أزمة الأدوات والمخاطرة بترحيل المشكلات وتجميد التحديات وتكريس معادلة قديمة فكرتها «ثقل ملكي وأنيميا في الإنجاز في السياق التنفيذي» والسبب «رعب الوزراء».

* بسام البدارين كاتب وإعلامي أردني

المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

ظواهر سياسية جديدة مقلقة

قد يعجبك ايضا