رأب الصدع الجيوسياسي

المسألة الآن هي «متى» وليس «هل» ستلحق الصين بالولايات المتحدة في السباق التكنولوجي للسيطرة على العالم؟
منعت الولايات المتحدة رأس المال الأمريكي من دخول بعض صناعات استراتيجية في الصين وأجبرت الشركات الصينية على الخروج من البورصات الأمريكية.
لا شيء أكثر أهمية من تحول أمريكا من تعاون استراتيجي إلى منافسة استراتيجية مع الصين فهذا تغيير يبدد وجهات نظر إيجابية بشأن الآفاق الاقتصادية للصين.
كثفت أمريكا جهودها لاحتواء صعود الصين فحدّت الاستثمار الصيني على أراضيها ومنعت الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات معينة في قطاعات تكنولوجيا فائقة وقيدت وصولها للتقنيات الحيوية

* * *

بقلم: تشانغ جون
في ما يتعلق بالتأثير الجيوسياسي، لا شيء يمكن أن يكون أكثر أهمية من تحول الولايات المتحدة من التعاون الاستراتيجي إلى المنافسة الاستراتيجية مع الصين. حيث أدى هذا التغيير إلى تبدد وجهات النظر الإيجابية للعديد من المراقبين بشأن الآفاق الاقتصادية للأخيرة.
يبدو أن الافتراض هو أن الصين ليس لديها خيار سوى التراجع عن مسار التنمية الناجح والشروع في مسار أقل ازدهاراً نحو الاعتماد على الذات، مع سيطرة الحكومة الكاملة على الاقتصاد للتحوط من الصدمات الجيوسياسية، لكن جهود الصين لتعزيز اكتفائها الذاتي في بعض المجالات ما هو إلا استجابة منطقية للضغوط الخارجية التي قد تنذر بالهلاك لنموذجها الاقتصادي أو آفاقها التنموية.
في السنوات الأخيرة، كثفت الولايات المتحدة من جهودها لاحتواء صعود الصين. فإلى جانب تطبيق الحواجز الجمركية وغير الجمركية على الواردات منها، حدّت أمريكا من الاستثمار الصيني على أراضيها، ومنعت الشركات الصينية من الاستحواذ على شركات معينة في قطاعات مثل التكنولوجيا الفائقة في الولايات المتحدة.
وقيدت وصولها إلى التقنيات الحيوية التي تسيطر عليها مثل أشباه الموصلات، ومنعت رأس المال الأمريكي من دخول بعض الصناعات الاستراتيجية في الصين، كما أجبرت الشركات الصينية على الخروج من البورصات الأمريكية.
لا يمكن أن تحمل هذه السياسات سوى تكاليف استراتيجية متصاعدة للولايات المتحدة، وخلافاً للاعتقاد السائد، فإن تأثيرها الدائم في الاقتصاد الصيني يمكن أن يكون محدوداً للغاية، وغير كاف لتحييد الصعود الاقتصادي للصين عن مساره.
وهناك نقطة أكثر أهمية يتعين الوقوف عندها، وهي تجاوز الصين بالفعل عتبة حاسمة من حيث القوة التكنولوجية حين تُقاس بقيمة المخزون الهائل لتراكم رأس المال المادي والبشري. إنها الآن مسألة «متى» وليس «هل» ستلحق الصين بالولايات المتحدة في السباق التكنولوجي للسيطرة على العالم؟
كانت بكين واضحة في أن البلاد يجب أن تتحرك بشكل أسرع نحو التكافؤ التكنولوجي العالمي لتخفيف مخاطر التأثير الجيوسياسي بشكل أفضل. ففي السنوات الأخيرة، عززت الحكومة الإنفاق لتقوية قدرات الصين في القطاعات الأساسية والاستراتيجية، بما في ذلك التعليم والعلوم والتكنولوجيا والزراعة والطاقة المتجددة. كما نفذت سياسات تهدف إلى دعم التطور السريع للصناعات المتطورة ذات التقنية العالية، مثل البيانات الضخمة والحوسبة السحابية والجيل الخامس والذكاء الاصطناعي.
وبالمثل، ووفقاً لخططها الخمسية، تعمل الصين على توسيع نظام بنيتها التحتية الرقمية. وبحسب وزارة الصناعة وتكنولوجيا المعلومات، أنشأت الصين بالفعل 1.4 مليون محطة لشبكات الجيل الخامس، أكثر من 60% من الإجمالي العالمي، حيث تم بناء أكثر من 650 ألف محطة في العام الماضي وحده.
وما هذه الجهود إلا استجابة للحاجة الذاتية للصين للتحول إلى مرحلة أكثر تقدماً من التنمية الاقتصادية، وليست مجرد رد فعل لسياسات الاحتواء الأمريكية والصدمات الجيوسياسية. وبالنظر إلى ضرورة ذلك، ربما كان التأثير الأكبر للجهود الأمريكية لاحتواء الصين هو إبراز نقاط ضعفها والعمل المكثف على معالجتها.
لا تعتقد السلطات الصينية أن سياسات الاحتواء الأمريكية ستجبر الصين على الخروج من النظام الاقتصادي العالمي الحالي، أو تقودها إلى تبني نموذج تنمية محلي فقط تسيطر عليه الحكومة. فالتنبؤات بهكذا تأثير لسياسات الولايات المتحدة تقلل من أهمية المكاسب التنافسية التي دفعت الصعود الاقتصادي للصين على مدى العقود القليلة الماضية، والتأثير العميق الذي أحدثته في الاقتصاد العالمي.
لقد بنت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وراكمت رأسمال مادياً وبشرياً ضخماً، وهي اليوم متأصلة بعمق ومركزية في عمليات الإنتاج العالمي، وقد شكلت علاقات متكاملة مع الاقتصادات المتقدمة. وبالتالي، من المستبعد جداً إخراجها من سلاسل التوريد العالمية بأي طريقة كانت.
في الواقع، حتى في الوقت الذي سعت فيه الصين إلى بناء المرونة في الداخل، استمرت في السعي وراء الحرية الاقتصادية، كتحسين مناخ أعمالها، وخلق قطاع مالي أكثر انفتاحاً، وإنشاء العديد من مناطق التجارة الحرة. وبقيت الحكومة ملتزمة بتحرير السوق المحلية من أجل الحفاظ على ارتباطها بالأسواق العالمية.
وبغض النظر عن التحديات الجيوسياسية، يجب على الصين أن تواجه مشكلاتها الداخلية، بدءاً من أزمة الخصوبة المتسارعة. وعلى الرغم من أن بكين قد خففت من السياسات التقييدية بهذا الصدد، فإن تجربة شرق آسيا تشير إلى أن الخصوبة قد تستمر في الانخفاض، وإن كان ذلك بمعدل أبطأ.
ولوقف انخفاض عدد السكان في سن العمل، من المرجح أن ترفع الصين سن التقاعد قريباً. في الوقت نفسه، وللتحوط من تأثير شيخوخة السكان في النمو الاقتصادي المستقبلي، ستواصل الحكومة زيادة الاستثمار في التعليم، وبالتالي الارتقاء بمهارات العمال وزيادة إنتاجية العمل على المدى البعيد.
* د. تشانغ جون عميد كلية الاقتصاد بجامعة فودان ومدير المركز الصيني للدراسات الاقتصادية
المصدر: جابان تايمز

موضوعات تهمك:

هل تعيد حرب أوكرانيا تشكيل النظام العالمي الجديد؟

قد يعجبك ايضا