ترامب ونتنياهو: ومن (الحب) ما قتل!

ترامب ونتنياهو: ومن (الحب) ما قتل!

بعكس ما يبدو من كون العربدة الأمريكية تعبيرا عن قوة، فالواقع أنها تكشف مأزقا.

ما الذي ستفعله قيادة الكيان الصهيوني بمليونين ونصف مليون فلسطيني بالضفة الغربية، لو قررت ضمها باعتبارها “يهودا والسامرة”؟

وماذا ستفعل بغزة التي لن يبتلعها البحر! وبالفلسطينيين العرب في أراضي 1948 وهم الحائزون على الجنسية الإسرائيلية في دولة تقر قوانين صريحة لليهود فقط؟!

بينما تملك تل أبيب التصدي للتهديد النووي فإنها تفتقد أي خطة لمواجهة تهديد تحولها لدولة ثنائية القومية.

أمريكا تمثل تهديداً وجوديا لإسرائيل بفعل محاباتها العمياء لها: “التهديد المتمثل في حب أميركا لإسرائيل حتى الموت”.

بقلم: نهلة الشهال

بينما تعلن الاغلبية الكبيرة في اسرائيل، مدنيين وعسكريين، سعادتها بقرار ترامب اعتبار الجولان المحتل أرضاً تعود الى اسرائيل “بحكم الأمر الواقع ووتطابقاً مع مرور الزمن ولحاجة تل ابيب الى الهضبة استراتيجياً”، تخرج بضعة اصوات من مؤيدي اسرائيل بلا لبس، لتقول كم أن هذا القرار خطير عليها.

لا يعتدّون، كسائر البشر، بالقانون الدولي وقرارات مجلس الامن الشهيرة بالصدد وثوابت السياسة الامريكية نفسها، ولا بخطورة تدمير القواعد السائدة في العلاقات الدولية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، ما يفتح الباب على مصراعيه لكل الاحتمالات في كل مكان.

ولا يعتدّون بإجماع عالمي على رفض هذا الالحاق بالذات- عُبِّر عنه في 1981 حين أعلن الكنيست قراره بضم الجولان، ثم تجدد الآن بفعلة ترامب – ليس بكل هذه المحاجات بل بمصلحة إسرائيل:

لو أن ترامب قرر أن يلتحق بكل نزواتها بدءاً من ضمها للقدس ونقل سفارته اليها ومروراً بانكار صفة اللاجئين للفلسطينيين المطرودين من أرضهم ومعاداة الانروا واعتبارها نافلة، ومن التشجيع على استباحة قطاع غزة، انتهاء بهذه الاخيرة، فذلك يطرح سؤالاً أولاً حول مَن يقود مَن؟

وفي الحالة الاسرائيلية فللأمر أهمية خاصة، إذ كان الصديق الامريكي الدائم هو الضمانة لحماية اسرائيل من الآخرين.. وكذلك من نفسها، بمنعه الشطط المنفلت لحالة نشأت في ظروف استثنائية تحملها على سوء التقدير وارتكاب ما لا يبرر.

يثير أصدقاء إسرائيل هؤلاء سؤالاً آخر متعلقاً بالخطوة التالية: فقد تمكنت اسرائيل بسهولة نسبية من طرد معظم سكان الجولان منه خلال حرب 1967 – كانوا 130 ألفاً آنذاك (وأصبحوا اليوم ثلاثة أضعاف هذا الرقم).

وهم سوريون انتقلوا الى داخل بلادهم ولدى أقربائهم – بحيث لم يتبق في الهضبة المحتلة الا حوالي 20 ألفاً منهم، ما زالوا منذ 1981 يرفضون قبول الهوية الاسرائيلية التي عُرضت عليهم. وقادوا إضرابات شهيرة انتهت الى فرضهم الحصول على ما يشبه بطاقة التعريف.

لكن ما الذي ستفعله قيادة اسرائيل بالمليونين ونصف مليون فلسطيني من الضفة الغربية، لو هي قررت ضمها باعتبارها “يهودا والسامرة”؟ وما هي فاعلة بغزة التي لن يبتلعها البحر. بل وما هي فاعلة بالفلسطينيين العرب في أراضي 1948 وهم الحائزون على الجنسية الاسرائيلية في دولة تقول انها لليهود فقط وتقر قوانين صريحة بهذا الاتجاه.

يستشهد توماس فريدمان في مقال بنيويورك تايمز بما قاله رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، عاموس يادلين، من أن تل أبيب تواجه تهديدين وجوديين الاول يأتي من إيران نووية، والثاني من تحولها إلى دولة من قوميتين.

ويقول أنه في حين تملك تل أبيب إستراتيجية للتصدي للتهديد الأول فإنها تفتقر لأي خطة لمواجهة التهديد الثاني. وهو يذهب الى اعتبار أمريكا تمثل تهديداً وجودياً ثالثاً لاسرائيل بفعل محاباتها العمياء لها: “إنه التهديد المتمثل في حب أميركا لإسرائيل حتى الموت”.

يفتخر ترامب بانه سيقلب السياسة الامريكية رأساً على عقب، وأنه سيُقْدم على ما لم يجرؤ عليه سواه من قبل. وهو يفعل! فحتى رونالد ريغان بزمانه غضب بشدة من قرار الكنيست بضم الجولان، واتخذ اجراءات عقابية بحق اسرائيل دفعت مناحيم بيغن وقتها الى استنكار ردة فعل الرئيس الامريكي والقول بانها تعامل اسرائيل كصبي طائش يحتاج لتأديب.

وبعكس ما قد يبدو من كون العربدة الامريكية تعبير عن القوة، فالواقع أنها تكشف المأزق. فالقوة العظمى الأولى في العالم لم تعد كذلك. فها روسيا التي بدت منذ أقل من ثلاثة عقود منهارة تماماً ومفككة، حتى قيل “نهاية التاريخ” وانتهاء الثنائية القطبية الخ.. تستعيد – على أسس أخرى- سطوتها في أكثر من مكان في العالم.

وقد قيل كذلك أن ترامب انما يتحداها باعلانه الاعتراف بضم الجولان الى اسرائيل، باعتبار غيظه من انقاذها لحكم بشار الاسد. وقيل أنه يقدّم الجولان هدية لنتنياهو لدعمه في الانتخابات الوشيكة ولتجاوز الاتهامات القضائية له بالفساد (“جئتكم بالجولان فما قيمة تلك الترّهات”)..

وقيل أن خطوات ترامب بخصوص القدس واللاجئين، والآن الجولان، هي كشف مسبق لفصول من “صفقة القرن” السرية التي توافق عليها دول خليجية ومصر الخ.. والتي يبدو انها أُحرجت الى حد استنكار هذه الخطوة الأخيرة بقوة أكبر مما فعلت يوم كارثة القدس، ولعلها اكتشفت – رغم تهافتها الذاتي الشديد- “استحالة” السير بثقة مع هذا الصديق..

وها الصين تتحدى السلطة الاقتصادية للقوة العظمى الاولى في العالم، بل وتضايقها بشكل جدي، بانتظار الاعتداد بقوتها تلك في السياسة..
ويتناقض كل ذلك مع الانتفاخ البهيج الذي يظهره ترامب. ويستحث طرح الاسئلة الملائمة لهذا العالم الجديد المضطرب الذي يولد أمامنا..

* د. نهلة الشهال كاتبة وناشطة لبنانية، رئيسة تحرير “السفير العربي”.
المصدر: السفير العربي

موضوعات تهمك:

محاكم التفتيش الحديثة

 سياسية أمريكا الخارجية.. نموذج متكامل لفشل متكرر

 خفايا الحملة الصليببية لترامب

العالم بدون فيسبوك