المديونية الأميركية وخطورتها

أغنى 26 مليارديرا يملكون أرصدة تساوي مجموع أرصدة أفقر 3.8 مليارات نسمة في العالم ومعظم الاثرياء في أميركا والصين وأوروبا.

تقول المؤشّرات إن العالم غير متوازن والاعتماد المفرط على الدولارات ينطوي على مخاطر ومحاذير شديدة الضرر بالاقتصاد العالمي في المستقبل.

لكن أميركا ما تزال تمسك بيدها زمام الأمور لا تبدي أي استعداد لقبول فكرة عملة دولية تنافس الدولار ولا بفكرة التفاهم مع الصين بدل مواجهتها وإلهاب الوضع الدولي.

صراع القوى السياسي داخل أميركا وبين واشنطن وحلفائها ضد الصين وحلفائها والزيادة المفرطة في الأوراق المالية بالدولار وانتفاخ أحجامها والأرصدة الوهمية فيها قد يعيد ما حصل عام 2008.

* * *

بقلم: جواد العناني

حسب آخر إحصائيات حصلتُ عليها، فإن مجموع الديون العامة الفيدرالية الأميركية تبلغ أكثر من 20.83 تريليون دولار، بتاريخ 30 أغسطس/آب 2020، أو في نهاية السنة المالية الأميركية.

وبالقياس إلى الناتج المحلي الإجمالي الأميركي للعام 2020، فإنها تشكل ما نسبته 99.3%. ولكن أكثر من ثلث هذا الدين، 7.04 تريليونات دولار، هو خارجي. وقد قدّر حجم العجز في الموازنة الأميركية للعام المالي المنتهي في 31 أغسطس/آب من هذا العام (2021) بحوالي 2.8 تريليون دولار.

ولو افترضنا أن هذا العجز سيسدّد كله عن طريق الاقتراضين، الداخلي والخارجي، فإن حجم الدين العام سيبلغ حوالي 23.6 تريليون دولار، أو أكثر من 100% من حجم الناتج الإجمالي، البالغ 23.1 تريليون دولار للعام 2021.

وتعتبر الزيادة في حجم الدين العام الأميركي في 2021 كبيرة، بالمقارنة مع السنوات التي قبلها. ففي عام 2008 حين وقعت الأزمة العالمية الدولية التي انطلقت من “وول ستريت” في نيويورك، فإن عجز هذا العام يفوق عجز عام 2008 بمقدار الضعف.

وقد بقي معدل العجز في الموازنة الأميركية ضمن الرقم 1.4 تريليون دولار حتى عام 2019، حيث بدأت في نهايته موجة وباء كورونا.

وفي ضوء الصراع الدائر في أروقة الكونغرس الأميركي بين الحزبين، الديمقراطي (الحاكم) والجمهوري (المعارض)، وداخل كل حزب منهما، حول الاقتراض لتسديد النفقات، ووجود مصادر تمويل المخصّصات التي يريد الرئيس جو بايدن أن يوجهها إلى إصلاح البنى التحتية، ودعم الإنتاج، وغيرها من مشروعات، فإن حجم الدين العام متوقع له الاستمرار في الارتفاع.

ومع أن النقاشات الحامية داخل الكونغرس الأميركي مدفوعة بأبعاد سياسية، ولكن جوانبها الاقتصادية والمالية تحمل، في طياتها، تحدّيات كبيرة في المستقبل، ليس للاقتصاد الأميركي فحسب، ولكن للاقتصاد العالمي ككل.

ودعنا نتذكّر معاً أن حجم مديونية القطاع الخاص الأميركي للأفراد والأسر المستهلكة والشركات والمؤسسات الإنتاجية، تدلّ الأرقام على أن مديونية القطاع الخاص قد تقارب 20 تريليون دولار، فالطلاب في الجامعات عليهم ديون تقارب 1.8 تريليون دولار، والقروض العقارية تقارب 8 تريليونات، وديون بطاقات الائتمان تقارب تريليونين، وديون قطاع الأعمال بكل قطاعاته تفوق العشرين تريليون دولار.

وإذا صحّت هذه الأرقام، فإن انتكاس أي واحد منها، حتى ولو كان أقلها، سيحدث بلبلةً لا يستهان بها، وفي الثقة بالوضع المالي والنقدي الأميركي.

وهناك نقطتان أخريان قد تساهمان في تعميق هذه المشكلة، أولها عرض النقد الأميركي الذي يتزايد. ووفق تعريف كتلة النقد، لها أربعة تعريفات أو قياسات يكثر استخدامها عن غيرها. فعرض النقد (ع صفر)، أو النقد المتداول، يشير إلى مجموع الأوراق النقدية والمسكوكات والنقد المطبوع أو المسكوك الذي لم يعد مستخدماً، وقد بلغت قيمة هذه النقود في 31 من شهر مارس/آذار 2021 ما قيمته 2.1 تريليون دولار.

أما ع 1 فهو يمثل عرض النقد الذي يشمل النقد المتداول، إضافة إلى الودائع تحت الطلب، وبعض شهادات الإيداع. وتبلغ قيمتها 40 تريليون دولار في اليوم نفسه، أو 31 مارس/آذار 2021.

أما ع 2 فيمثل عرض النقد (ع 1)، بالإضافة إلى الودائع قصيرة الأجل صغيرة الحجم (أقل من مائة ألف دولار)، والحصص في تعاملات التجارة بالتجزئة التي تقوم بها صناديق السوق المشتركة. ويقدّر حجم عرض النقد (ع 2) بحوالي 90.4 تريليون دولار في اليوم نفسه من عام 2021.

وأخيراً هنالك (ع 3)، أو عرض النقد 3 الذي يساوي مجموع (ع 2)، بالإضافة إلى حسابات لأجل كبيرة القيمة وحسابات الادخار، والأوراق المالية وصكوك الدين الصادرة عن المؤسسات والشركات، واتفاقيات إعادة الشراء، والأموال الكبيرة المودعة لدى صناديق السيولة الكبيرة.

وهذه تشمل كثيراً من المشتقات المالية، والتي أوصلت هذا النوع من عرض النقد إلى المبلغ الفائق (1.300) تريليون دولار، أو 1.3 كوادريليون دولار.

وهذا التعريف الأخير الموسع لعرض النقد قد يكون أدخلنا لأول مرة في رقم كوادريليون المساوي ألف تريليون. وهذا الرقم الكبير ينطوي، بحد ذاته، على إيصالنا إلى مرحلة تحتاج استعداداً ذهنياً، بل ونفسياً كذلك، من أجل التعامل معه.

وإذا تحركت الكتل النقدية (ع 2) أو (ع 3) بشكل فوري، وبدأت تتصاعد، فإن إمكانات الانفجار التضخمي تبقى قائمة، وهذا مخيف بحد ذاته. ولكن هناك تحد آخر، وهو سوء توزيع الأرصدة العالمية.

وقد أصدرت شركة فوربس (Forbes) تقريراً ذكرت فيه أن هناك 2755 مليارديراً (أو بليونيراً) في العالم يملكون أرصدة بقيمة 13.1 تريليون دولار في عام 2021.

والأنكى أن التقرير قال إن أغنى 26 مليارديرا في العالم يملكون أرصدة تساوي مجموع أرصدة أفقر 3.8 مليارات نسمة في العالم. وبمعنى آخر، يملك نصف السكان الأفقر في العالم أرصدة تساوي أرصدة أغنى 26 مليارديرا. وبالطبع، غالبية هؤلاء المتنفذين هم في الولايات المتحدة والصين وأوروبا.

إذن، تقول كل المؤشّرات إن العالم غير متوازن، وإن الاعتماد المفرط على الدولارات الأميركية قد ينطوي على مخاطر ومحاذير شديدة الضرر على الاقتصاد العالمي في المستقبل، فصراع القوى السياسي داخل الولايات المتحدة، وبين الولايات المتحدة وحلفائها ضد الصين وحلفائها، والزيادة المفرطة في الأوراق المالية بالدولار، وانتفاخ حجومها والأرصدة الوهمية فيها، قد يعيد ما حصل عام 2008، ولكن هذه المرّة بحجم وأثر يتضاءل أمامهما ما جرى قبل 13 عاماً.

السياسة النقدية العالمية بحاجة إلى وقفة تأمل عميقة، ومراجعة شاملة. ولكن الولايات المتحدة التي ما تزال تمسك بيدها زمام الأمور لا تبدي، حتى اللحظة، أي استعداد لقبول فكرة عملة دولية تنافس الدولار، ولا بفكرة التفاهم مع الصين بدلاً من مواجهتها وإلهاب الوضع الدولي إلى درجة الغليان.

* د. جواد العناني سياسي وخبير اقتصادي، نائب رئيس الوزراء رئيس الديوان الملكي الأردني الأسبق.

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

النفط ليس استثناءً!

قد يعجبك ايضا