العرب وارباك النظريات السياسية

مستويات الدخل العالية لم تنعكس على مستويات التعليم عربيا وهو امر مربك للغاية!

لم تؤثر مستويات الثروة العالية على مستويات التماسك الأسري بل ذهبت عكس ذلك.

جاءت دول الخليج الغنية في التصنيف ضمن مجموعة الدول الاعلى استبدادا من بقية الدول العربية في مؤشرات الاستبداد وبلغ معدلها 7.42 نقطة.

لماذا لم تؤثر روابط اللغة والدين والمذهب والعرق والعادات والتاريخ المشترك في مستويات الروابط العضوية ومن أبرزها التعاون الاقتصادي؟

خصوصية الظاهرة العربية تدفع للبحث عن مزيد من النظريات بدل اعتماد منهج القطيع بتطبيق ما تسميه الدراسات المستقبلية تقنية ” التدرج السببي”.

بنية المجتمع العربي ونظمه السياسية تربك النظريات فالاقليم العربي يبدو خليطا لا يتسق مع بنيات تخضع للتفسير حيث المخرجات غير متسقة مع المدخلات.

وفقا لمقاييس المخاطر الامنية لم تتجاوز دول الخليج نسبة 38% بينما تجاوزت بقية الدول العربية 64% أي ان الانفاق العسكري لا يتناسب مع حجم المخاطر الأمنية.

* * *

بقلم: وليد عبدالحي

تحاول النظريات السياسية “نمذجة” الظواهر السياسية بتوظيف مناهج التحليل الكمية والكيفية للخروج بقانون يمكن تطبيقه بقدر من النسبة العالية لتفسير الظاهرة.

لكن بنية المجتمع العربي ونظمه السياسية تربك النظريات ليبدو الاقليم العربي وكأنه خليط لا يتسق مع البنيات التي تخضع للتفسير، وهو ما يسمى بنظرية “الشواش”، حيث تكون المخرجات غير متسقة مع المدخلات.

أولا: الدخل الفردي

تشير معطيات الواقع العربي في مجال مستويات الدخل أن الروابط الآلية (كما سماها دوركهايم) والمتمثلة في اللغة والدين بل والمذهب والعرق والعادات والتاريخ المشترك…الخ، لم تؤثر في مستويات الروابط العضوية والتي من ابرزها التعاون الاقتصادي المفضي الى عدالة ولو نسبية في معدلات الدخل الفردي، ويكفي ان ننظر في المؤشرات التالية:

لو قارنا بين معدل الدخل الفردي في اعلى دولة عربية (قطر 97 الف دولار) مع اقل الدول العربية دخلا فرديا (اليمن 2500 دولار)، فذلك يعني ان دخل اليمني يساوي 2.6% من دخل القطري (حوالي 39 ضعفا)، ولو قارنا بين اعلى 3 دول عربية في الدخل الفردي (قطر والسعودية والامارات العربية) مقابل ادنى 3 دول عربية (اليمن والسودان وموريتانيا) سنجد أنه 19 ضعفا.

بالمقابل لو أخذنا معدل الدخل الفردي في ال 27 دولة في الاتحاد الاوروبي وقارناه مع الدول الاعلى في الاتحاد، سنجد أن دخل الفرد في الدولة الاعلى(لوكسيمبورع 123 الف دولار) هو 2.63 ضعف معدل بقية الدول، ولو قارنا اقل 3 دول في الاتحاد الاوروبي (بولندا و رومانيا و بلغاريا) مع اعلى 3 دول (لوكسمبورغ وإيرلندا والدنمارك) سنجد ان الفرق لا يتجاوز 6.8 اضعاف فقط. رغم التنوع اللغوي والعرقي والمذهبي (الروابط الآلية)، فهل هذا يعني ان هذه الروابط ليس لها قيمة في تفسير التباين؟

ثانيا: التعليم

تشير البيانات المتوفرة إلى أن نسبة الافراد العرب الذين لا يستطيعون الكتابة والقراءة (الامية التامة) ممن تجاوزوا سن 15 سنة في الدول العربية الاعلى دخلا هي 24% بينما المعدل في الدول العربية الافقر هي 21%، اي ان التعليم منتشر في الدول الفقيرة بمعدل يفوق 3% عن الدول العربية الغنية.. وعند مقارنة المنطقة العربية مع بقية مناطق العالم نجد ان العرب يحتلون المرتبة ما قبل الاخيرة بين 7 اقاليم كبرى في العالم ويليهم افريقيا.

ذلك يعني ان مستويات الدخل العالية لم تنعكس على مستويات التعليم، وهو امر مربك للغاية.

ثالثا: الانفاق العسكري للدول العربية

بلغ الانفاق العسكري لدول مجلس التعاون الخليجي عام 2020 ما مجموعه 94 مليار دولار، بينما بلغ مجموع الانفاق العسكري لجميع الدول العربية 154 مليار دولار، ذلك يعني أن نسبة الانفاق العسكري لدول الخليج العربية يشكل 61% من اجمالي الانفاق العسكري العربي مع انهم لا يشكلون إلا 16% من مجموع السكان العرب.

ولو اخذنا اعلى 3 دول خليجية في الانفاق العسكري (السعودية والامارات وقطر) سنجد ان مجموع انفاقها العسكري يساوي 78 مليار دولار، وهو يساوي51% من اجمالي الانفاق العسكري العربي رغم انهم يشكلون 11% من السكان العرب.

ولو اعتمدنا مقاييس المخاطر الامنية الداخلية والخارجية(SRF) فان دول الخليج لم تتجاوز نسبة 38% بينما تجاوزت بقية الدول العربية نسبة 64%، اي ان الانفاق العسكري لا يتناسب حجمه مع حجم المخاطر الأمنية.

رابعا: التماسك الاجتماعي (مؤشر الطلاق)

رغم الفارق الكبير في معدل الدخل الفردي لصالح دول الخليج، فان معدل نسب الطلاق في دول الخليج هو 35%، بينما بقية الدول الفقيرة بقيت مستويات نسبة الطلاق فيها في حدود 30%.

وذلك يعني ان مستويات الثروة العالية لم تؤثر على مستويات التماسك الاسري بل دفعت عكس ذلك.

خامسا : الديمقراطية

تبين من مراجعة معدلات الاستبداد (تحسب من 10 نقاط) خلال الفترة من 2012 الى 2020 ان معدلات الاستبداد في اجمالي الدول العربية ارتفع من 6.27 نقطة الى 6.56 نقطة، والملفت للنظر ان الدول الغنية (دول مجلس التعاون الخليجي) جاءت في التصنيف ضمن مجموعة الدول الاعلى من بقية الدول العربية في مؤشرات الاستبداد.وبلغ معدلها 7.42 نقطة..

تنبيه

يمكن العثور على تفسيرات عديدة لهذه الظواهر غير المتسقة مع النظريات السائدة، لكن البعض قد يرى ان هناك “عوامل وسيطة ” مثل الظروف العامة لكل دولة قد تساعد على التفسير.

لكن ذلك لا ينفي ان هناك مفارقات معرفية عند المقارنة بين الاقليم العربي بشكل عام وكل دولة عربية بشكل خاص مع بقية اقاليم العالم ودولها، مما يعني أن خصوصية الظاهرة العربية تدفع نحو البحث عن مزيد من النظريات بدلا من اعتماد منهج القطيع من خلال تطبيق ما تسميه الدراسات المستقبلية تقنية “التدرج السببي”. ربما!

* د. وليد عبد الحي أكاديمي باحث في الدراسات المستقبلية

موضوعات تهمك:

ماذا بعد السقوط فى أحضان الحلف الأمريكي الصهيوني؟

قد يعجبك ايضا