الحرب في إثيوبيا ومؤشرات متغيرات جيوستراتيجية

الموقف الإماراتي المخالف تماماً للتوجه الاميركي بخصوص اثيوبيا، مؤشرٌ على متغيرٍ له أبعاده الجيوستراتيجية.

العامل الرئيس الذي حدد مصير الحرب مع تيغراي كان الاستهداف المكثف بطائرات مسيّرة قدمتها الإمارات وتركيا وإيران.

أصبحت الإمارات لاعبا رئيسيا بالقرن الأفريقي الذي تزداد أهميته الاستراتيجية ويربط بين البحر المتوسط والمحيط الهندي.

تعيش إثيوبيا والسودان مراحل انتقال حرجة وصلت بإثيوبيا للحرب المباشِرة بين الحكومة المركزية وجبهة تيغراي ويشهد السودان انتقالاً قلقاً.

أميركا لم تعد تغري أحداً ولا تخيف أحدا نتيجة تراكمات فشل سياسي تبلور عبر إدارات جمهورية وديمقراطية وأبرز ملامحه غزو أميركا للعراق بنتائجه الكارثية.

باشرت دول المنطقة محاولات تخفيف الصراع بينها في مواضيع رئيسية كانت تقودها تركيا وقطر من جانب مقابل المحور المصري – السعودي – الإماراتي.

إذا لم تنجح عمليات الانتقال السياسي فإن اضطرابات سياسية وأمنية ستصيب كتلة سكانية كبيرة بأثيوبيا والسودان ولها انعكاسات سلبية على المنطقة وامتداداتها.

استقبلت قاعدة “هرر ميدا” الجوية جنوب أديس أبابا مؤخرا مئة رحلة جوية تحمل أسلحةً وذخائر من الإمارات إلى الجيش الإثيوبي ونقلت السفن عبر الصومال أسلحة إماراتية.

* * *

بقلم: السر سيد أحمد

عندما قررت إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن الاستعانة بالدبلوماسي جيفري فيلتمان، كلفته متابعة ملف منطقة القرن الأفريقي إذ أصبح المبعوث الرسمي لها. لكن فيلتمان قضى وقتاً طويلاً في لقاءات في دولة الإمارات العربية المتحدة، يماثل، إن لم يكن يزيد على ما قضاه في الحوار واللقاءات مع المسؤولين في مختلف دول منطقة القرن الأفريقي… ولسبب وجيه.
فالإمارات أصبحت من اللاعبين الرئيسيين في منطقة القرن الأفريقي التي تزداد أهميتها الاستراتيجية، إذ هي ترتبط بكل من البحر المتوسط والمحيط الهندي، وفي الوقت الذي تعيش فيه دولتان من أهم دولها، وهما إثيوبيا والسودان، مراحل انتقال حرجة، وصلت في إثيوبيا إلى درجة الحرب المباشرة بين الحكومة المركزية وجبهة التيغراي.
كما يعيش السودان انتقالاً قلقاً من نظام الإنقاذ الإسلاموي إلى نظام جديد، منطلقاً من آمال بالتحول الديمقراطي، تعثرت بسبب انقلاب الفريق عبد الفتاح البرهان في تشرين الأول/ أكتوبر المنصرم. هاتان الدولتان تمثلان كتلةً سكانية تصل إلى 150 مليون نسمة، يمكن أن ترتفع بنسبة 44 في المئة في غضون الخمس عشرة سنة المقبلة. وإذا لم تنجح عمليات الانتقال هذه، فإن الاضطرابات السياسية والأمنية ستصيب هذه الكتلة السكانية الكبيرة، بكل ما لذلك من انعكاسات سلبية على مجمل المنطقة، وامتداداتها عبر البحرين الأحمر والمتوسط.
في الفترة بين أغسطس ومنتصف نوفمبر الماضي، استقبلت قاعدة “هرر ميدا” الجوية جنوب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حوالي مئة رحلة جوية تحمل أسلحةً وذخائر من الإمارات إلى الجيش الإثيوبي، كما قامت الخطوط الجوية الإثيوبية باستخدام طائراتها للشحن للغرض نفسه، وتسربت تقارير عن استخدام السفن عبر الصومال لنقل أسلحة إماراتية.
على أن العامل الرئيسي الذي حدد مصير الحرب مع التيغراي كان الاستهداف المكثف للطائرات المسيّرة، من الإمارات بصورة رئيسية، وكذلك من تركيا وإيران، الذي وصل إلى وجود عشر طائرات مسيّرة في وقت واحد تستهدف قوات تيغراي وأفرادها وخطوط امداداتها، مما أسهم في قلب موازين القتال، ودفع بقوات تيغراي إلى التراجع نحو 270 ميلاً شمالاً نحو إقليمها، بعد أن اقتربت من العاصمة أديس أبابا بما لا يبعد عن 75 ميلاً.
وهو ما دفع قائد تيغراي ديبرصون جيبرامايكل إلى مخاطبة الأمم المتحدة، قائلاً إنه سحب كل قواته إلى داخل حدود إقليم التيغراي، ذاكراً عامل الطائرات المسيّرة التي قدمتها الدول الأجنبية، وآملاً أن تفتح الخطوة الباب أمام مفاوضات السلام. الدعم الإماراتي لم يقتصر فقط على توفير السلاح، وإنما قام كذلك بتدريب الحرس الجمهوري الإثيوبي.
متغيرات
وكان الدعم الإماراتي قد توقف لفترة قصيرة، إثر تولي إدارة بايدن الحكم، لكنه تواصل بعد ذلك وبصورة مكثفة وتحت إشراف مباشر من طحنون بن زايد مستشار الأمن القومي الإماراتي. وقد في الفترة بين أغسطس ومنتصف نوفمبر الماضي، استقبلت قاعدة “هرر ميدا” الجوية جنوب العاصمة الإثيوبية أديس أبابا حوالي مئة رحلة جوية تحمل أسلحةً وذخائر من الإمارات إلى الجيش الإثيوبي، كما قامت الخطوط الجوية الإثيوبية باستخدام طائراتها للشحن للغرض نفسه، وتسربت تقارير عن استخدام السفن عبر الصومال لنقل أسلحة إماراتية.
على أن العامل الرئيسي الذي حدد مصير الحرب مع التيغراي كان الاستهداف المكثف للطائرات المسيّرة، من الإمارات بصورة رئيسية، وكذلك من تركيا وإيران، الذي وصل إلى وجود عشر طائرات مسيّرة في وقت واحد تستهدف قوات التيغراي وأفرادها وخطوط امداداتها دفعتها إلى تنظيم لقاء قمة تركية أفريقية مؤخراً شاركت فيه 35 دولةً أفريقية.
الموقف الإماراتي مؤشرٌ على متغير له أبعاده الجيوستراتيجية، إذ تتزايد القناعة أن الولايات المتحدة لم تعد القوة التي تغري جزرتها أحداً، و لا عصاها تخيف أحداً، وذلك نتيجة لتراكمات من الفشل السياسي تبلور خلال العقدين الماضيين وعبر مختلف الإدارات، الجمهورية والديمقراطية على حدٍ سواء.
ومن أبرز ملامحه الغزو الأمريكي للعراق بنتائجه الكارثية، وتردد إدارة أوباما في معاقبة نظام بشار الأسد في سوريا بعد الهجوم الكيماوي على مواطنيه، وفشل إدارة ترامب في الرد على الضربة الإيرانية لمجمّعي النفط السعوديين في أبقيق وخريص قبل عامين، مما نتج عنه توقف نحو 6 في المئة من إنتاج النفط العالمي في ضربة واحدة.
ثم جاء الانسحاب الأمريكي المرتبك من أفغانستان ليؤكد على أن واشنطن على طريق الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط وحروبها التي لا تنتهي، كما وصفها ترامب، وهو ما يعني في النهاية لدول المنطقة أن تأخذ أمورها بيدها، إذ لم تعد الولايات المتحدة القوة التي يمكن الاعتماد عليها.
في آب/ أغسطس الماضي، زارت سامنتا باورز مسؤولة المعونة الأمريكية، وأحد أكبر المسؤولين في إدارة بايدن، إثيوبيا. في ماضي الأزمان، كانت زيارةٌ مثل هذه تحظى باهتمام كبير على أعلى المستويات بسبب العون الضخم الذي كانت تقدمه واشنطن لأديس أبابا.
لكن رئيس الوزراء أبيي أحمد اعتذر عن لقاء باورز بدعوى الانشغال، وبث التلفزيون الإثيوبي في اليوم نفسه صوراً له وهو يتفقد بعض الطائرات المسيرة التي حصل عليها من خصم أمريكا الرئيسي في المنطقة، إيران. وكانت الإشارة واضحة.
غياب استراتيجي
وساعد على ذلك غياب أي استراتيجية للولايات المتحدة لمنطقة البحر الأحمر كما لاحظت دراسة لـ”معهد السلام الأمريكي” في العام الماضي رغم أنه كان لواشنطن فيها وجودٌ عسكري لـ”محاربة الإرهاب” ولو أنه تقلص فيما بعد. لكن ذلك الوجود نفسه لم يستند إلى استراتيجية واضحة.
وأشارت الدراسة كمثال إلى غياب أي مجهود ممنهج لإنجاح الفترة الانتقالية في كل من إثيوبيا والسودان، وكذلك فشل إدارة ترامب في حمل كلٍ من إثيوبيا والسودان ومصر إلى التوصل إلى اتفاق مرض لكل الأطراف بخصوص سد النهضة الذي أصبح مصدراً للشقاق والأزمات المتلاحقة بدلاً من أن يكون فرصةً للتعاون الإقليمي.
واقترحت الدراسة أربع توصيات رئيسية: أن تعمل واشنطن على إنجاز استراتيجية خاصة بالبحر الأحمر لضمان احتواء تداعيات الأوضاع المتفجرة في منطقة الشرق الأوسط، وأن تشمل تلك الاستراتيجية جانباً اقتصادياً وسياسياً، وأن تشجع دول المنطقة على تشكيل أوضاع تضم مختلف القوى السياسية الفاعلة وإشراكها في السلطة، وأن تقوم بترتيبات إدارية وبيروقراطية في واشنطن لضمان وجود الدعم اللازم على المستوى التنفيذي، وكذلك ضمان أن يكون الكونغرس مشاركاً في هذه الاستراتيجية.
وتضيف الدراسة أنه بسبب الأهمية الجيوستراتيجية لمنطقة البحر الأحمر، فإن الدول الرئيسية فيه تعمل بجد على تأكيد حضورها السياسي والأمني، كما تتزايد فيه النزعة العسكرية والعمل على ترتيبات لضمان أمن المنطقة من دوله بنفسها، ودون انتظار لما يمكن أن تقوم به الولايات المتحدة أو الدول الأخرى من خارج الإقليم، كما يظهر من سعي السعودية مثلاً لتأسيس تجمع يضم الدول المطلة على هذا الممر المائي.
ويلاحظ أن دول المنطقة باشرت محاولات، لا تزال في بداياتها، لتخفيف حدة الصراع بينها، خاصةً في المحاور الرئيسية التي كانت تقودها تركيا وقطر من جانب، في مقابل المحور المصري السعودي الإماراتي.
وهو ما يظهر في التواصل الذي بدأ سرياً وظهر إلى العلن مؤخراً بين السعودية وإيران وبين تركيا والإمارات، وقبل ذلك إنهاء حصار قطر، واستعادة التواصل السعودي القطري…
وكأن هذه الدول قد توصلت إلى الحقيقة البديهية القائلة بضرورة التعايش مع الواقع الجغرافي على الرغم من اختلافاتها السياسية. وقد يكون في تراجع مخاطر حركة الإسلام السياسي، وكذلك انكسار موجة “الربيع العربي”، ما أعطى هذه الأنظمة الثقة في العمل باتجاه خيار توافق الأنظمة.

* السر سيد أحمد كاتب صحفي سوداني
المصدر| السفير اللبنانية

موضوعات تهمك:

إثيوبيا بين سلام التنمية وشفير الحرب الأهلية

قد يعجبك ايضا