الانتخابات البرلمانية تقيد مساعي ماكرون لتموقع جيوسياسي جديد

تشهد فرنسا تراجع نفوذها في أفريقيا خاصة شمال القارة وهذا التغيير السياسي الداخلي سيلقي بتأثيراته على الوضع الفرنسي دوليا.
الانتخابات التشريعية الأخيرة أعطت خريطة سياسية هي الأولى من نوعها بعد الحرب العالمية الثانية بظهور قوى سياسية جديدة وتراجع الأحزاب الكلاسيكية.
غياب استقرار سياسي داخلي، وصعوبة اتخاذ ماكرون قرارات كبرى بسبب غياب الأغلبية المطلقة في البرلمان، سيعيق الرئاسة في مسعاها لتقوية موقع فرنسا دوليا.
* * *

بقلم: حسين مجدوبي
شهدت فرنسا الجولة الثانية من الانتخابات التشريعية الأحد الماضي التي أعطت خريطة سياسية مختلفة هي الأولى من نوعها بعد الحرب العالمية الثانية بظهور قوى سياسية جديدة وتراجع الأحزاب الكلاسيكية.
ويتزامن هذا التطور مع ما تعرفه فرنسا من تراجع نفوذها في أفريقيا وخاصة شمال القارة وهذا التغيير السياسي الداخلي سيلقي بتأثيراته على الوضع الفرنسي دوليا.
وطيلة العقود الأخيرة، كان الصراع السياسي انتخابيا محصورا ما بين الحزب الاشتراكي من جهة، واليمين المحافظ الذي اتخذ أسماء مختلفة من رئيس إلى رئيس مثل إبان حقبة الرئيس جاك شيراك ونيكولا ساركوزي، ولكن كان اليمين نفسه وبالقيادات نفسها، كان الاسم هو الذي يتغير.
غير أن حزيران/يونيو 2022 يعد منعطفا حقيقيا، إذ حصل الائتلاف المؤيد للرئيس على ما يفوق 245 مقعدا في البرلمان، بدون الأغلبية المطلقة، ويليه ائتلاف اليسار والخضر بزعامة ميلانشون بـ 131 مقعدا ثم اليمين القومي المتطرف «التجمع الوطني» بزعامة ماري لوبان بـ 89 مقعدا. ويعتبر المراقبون هذه النتائج صفعة قوية ضد الرئيس إيمانويل ماكرون.
وسيكون للوضع الداخلي الفرنسي تأثير كبير على العمل الخارجي، بحكم أن القوى الجديدة من اليسار الراديكالي وكذلك من اليمين القومي المتطرف لديها رؤية مخالفة للرؤية الكلاسيكية الفرنسية التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية حتى السنوات الأخيرة. وتبقى أكبر التحديات التي تواجه فرنسا خارجيا وتحاول إيجاد بوصلة جديدة لها هي:
في المقام الأول، تعاني من تهميش من طرف الجناح القوي في الغرب وهو الجناح الأنكلوسكسوني المكون من الثنائي واشنطن-لندن والذي يحظى بدعم كبير من طرف دول في التوجه الجيوسياسي نفسه وهي أستراليا ونيوزيلندا وكندا.
في المقام الثاني، تفقد فرنسا وزنها في الاتحاد الأوروبي إبان الأزمات الكبرى بسبب تحالف أوروبا الشرقية مع لندن وواشنطن. وهو السيناريو الذي يحدث حاليا في الحرب الروسية ضد أوكرانيا، حيث ذهبت قوى مثل بولونيا ودول البلطيق مع الأطروحة الأمريكية بضرورة التصعيد الحربي ضد روسيا.
وتحاول فرنسا رفقة ألمانيا خلق نوع من التوازن والذي يتجلى في التفاهم مع روسيا حول خريطة طريق سلام مستقبلا توفر الأمن لأوروبا من جهة، وكذلك موارد الطاقة الروسية مثل الغاز أساسا.
في المقام الثالث، تفقد فرنسا الكثير من نفوذها في مستعمراتها السابقة. ولعل العنوان البارز في الوقت الراهن هو كيف طردت حكومة مالي القوات الفرنسية من منطقة الساحل وتراهن في المقابل على القوات الروسية غير الرسمية «فاغنر» لمحاربة الإرهاب.
وكانت جريدة «لوموند» قد تحدث سابقا عن فوبيا معاداة كل ما هو فرنسي خلال الشهور الأخيرة في القارة السمراء. غير أن الامتحان الكبير الذي تمر منه فرنسا هو هل ستنجح في الحفاظ على نفوذها في منطقة شمال أفريقيا وأساسا في المغرب والجزائر وتونس.
وتمر علاقات باريس بالعواصم المغاربية ببرودة كبيرة، إذ لا توجد زيارات للوزراء مع الرباط بل لا توجد حتى مكالمات بين الرئيس الفرنسي ماكرون والملك محمد السادس. في الوقت ذاته، تستمر علاقات باريس متوترة مع الجزائر، هذه الأخيرة التي اتخذت قرارا رمزيا وعمليا خلال الأسبوع الجاري وهو تعويض اللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية باللغة الإنكليزية.
وكل التطورات الحاصلة في منطقة الساحل وشمال أفريقيا هي صورة واضحة لفقدان فرنسا النفوذ في القارة السمراء نتيجة بحث دول القارة عن مشترين جدد مثل روسيا والصين أساسا، ثم محاولة التخلص من الهيمنة الفرنسية.
في المقام الرابع، شكل البحر المتوسط الفضاء الجيوسياسي بامتياز طيلة القرنين الأخيرين لفرنسا، غير أنها في الوقت الراهن تواجه تحديات كبرى من طرف قوة إقليمية صاعدة وهي تركيا.
وتواجه فرنسا التمدد الاقتصادي التركي في الفضاء المتوسطي في دول مثل تونس وليبيا والجزائر وبدرجة أقل في المغرب. ومن جهة أخرى، لم تعد باريس تمتلك بدعم من لندن صناعة القرار المتوسطي في القضايا الكبرى، فقط انتصرت عليها تركيا في الملف الليبي إلى مستوى بلغ التهديد بمواجهة عسكرية بحرية كما حدث خلال حزيران/يونيو 2020.
يوجد ارتباط وثيق بما يجري في الساحة السياسية الوطنية الفرنسية من تغييرات كبرى وما يحدث للوضع الجيوسياسي لفرنسا في المسرح الدولي. وإذا كانت المؤشرات تشير إلى غياب استقرار سياسي وطني، بمعنى صعوبة اتخاذ الرئيس ماكرون قرارات كبرى بسبب غياب الأغلبية المطلقة في البرلمان، فهذا سيعيق الرئاسة في مسعاها لتقوية موقع فرنسا دوليا.

* د. حسين مجدوبي كاتب وباحث مغربي

المصدر: القدس العربي

موضوعات تهمك:

التشريعيات الفرنسية: حصد ماكرون بعض ما زرع وسدد أثمانا باهظة

قد يعجبك ايضا