الإمبراطورية الإيرانيّة وسرابها الحرسيّ المتمدّد

«علمنت» ولاية الفقيه الثيوقراطية علاقة الدولة برجال الدين أكثر بكثير من النظام السابق عليها.

هناك امبراطورية اللانسق، التي هي عامل إضافي في امتناع تبلور أي نسق جامع بين شعوب المنطقة من أي نوع.

ليتها كانت امبراطورية إيرانية أو امبراطورية من أي نوع قادر على اقامة نسق جامع بين شعوب المنطقة التي يبدو ان الدولة الامة لم تفلح فيها.

حالياً ليس هناك امبراطورية إيرانية كنسق جامع بين شعوب المنطقة ولو بشكل تراتبي فيما بين هذه الشعوب كما يحصل في الامبراطوريات.

شرّع نظام الثورة السبيل لقيام ثيوقراطية «نائب الإمام» المنصّب دون توصية الإمام بل الوصيّ على الإمامة ووكيل ما لها في عصر الغيبة الكبرى.

امبراطورية الحرس ليست من هذا النوع هي امبراطورية اللانسق المعتاش على تصدّع الدول الفاشلة عندنا وتعمّق التصدّع وليس بمستطاعها تجاوزه بأي شكل.

جاءت الثورة بنظام الشباب الملتحين المريدين المتقيدين بتعليمات رجل دين مسنّ لكنها لم تُقِم «نظام الملالي» كما شاعت تسمية معادية لنظام خميني بل كان نظاماً على حساب الملالي.

* * *

بقلم: وسام سعادة

ثمّة إمبراطوريّة متقطّعة للحرس الثوريّ الإيرانيّ. تمتدّ من خراسان وقزوين والقوقاز إلى عراقي العجم والعرب ومن مجرى الفرات حتى شرقي المتوسط، ولها امتداد جنوبي البحر الأحمر، وربّما أمكن الحديث عن أثر لها من ناحية نيجيريا أيضاً.

عوامل وظروف عديدة شرّعت السبل أمام هذا اللانسق الذي يرعاه بشكل أساسي سلك الحرس الثوريّ. بدءاً من مآل الوضع في إيران بعد الثورة الشعبية المتطورة كثورة اسلامية.

اذ قامت ثنائية الحرس الثوري وملحقاته في مقابل الجيش النظامي، إنما على قاعدة أوّلية الحرس. بل أنّ الأوّلية الفعلية في دولة ولاية الفقيه انعقدت لقادة الحرس، للقزلباش الجدد، اذا جازفنا بقليل من المقارنة مع العصر الصفوي، وليس للملالي أو الفقهاء، ولو كان الحرس متحلقين حول «الملك الفقيه».

دولة الفقيه الواحد جاءت على حساب دولة الفقهاء. وهي مفارقة أساسية. جاءت الثورة بنظام الشباب الملتحين، نعم، المريدين المتقيدين بتعليمات رجل دين مسنّ، نعم، لكنها لم تقم «نظام الملالي» على ما شاع من تسمية معادية لنظام خميني من قبل أخصامه في الداخل والمحيط. بل كان نظاماً على حساب الملالي.

من جهة، شرّع نظام الثورة السبيل لقيام ثيوقراطية «نائب الإمام» المنصّب دون توصية الإمام، بل الوصيّ على الإمامة، ووكيل ما لها في عصر الغيبة الكبرى.

لكن من جهة ثانية، ضعّف هذا النظام من قوّة «الإكليروس» في إيران. عندما غلّب على الفقهاء واحد منهم، بل قدّم المنطق الثوريّ في التغليب (الولي الفقيه قائد ومرشد الثورة الاسلامية الدائمة) على التراتبية من زاوية علوم الدين أو المقدرة الاجتهادية.

من هذا الجانب، «علمنت» ولاية الفقيه الثيوقراطية علاقة الدولة برجال الدين أكثر بكثير من النظام السابق عليها.

اذا ما قارنا بالثورة الروسية، نجد أن حزب البلاشفة تحاشى باكراً هكذا ثنائية بين حرس ثوري وجيش نظامي. كان للحزب «حرس أحمر» في مرحلة الاعداد للاستيلاء على السلطة.

بيد أن هذا الحزب الداعي في مرحلة الثورة لحل الجيش النظامي، وإلى تسليح الشعب، اعتمد بعد استيلائه على السلطة على اعادة بناء الجيش النظامي، بالاستعانة بضباط النظام القديم، انما في اطار وحدة الجيش الأحمر. جنّب الاتحاد السوفياتي نفسه ثنائية حرس حزبي في مقابل جيش نظامي.

وأكثر، بالشكل الذي بني فيه الجيش الأحمر لم يحاول الأخير في أي مرة الانقلاب على القيادة الحزبية السياسية. في الصين اختلفت الحال، كان هناك جيش التحرير الشعبي، وكان هناك في مقابله الحرس الأحمر، خاصة ما فرّخ منه إبان الثورة الثقافية.

لكن في المحصلة، انقسمت الثورة الثقافية لمرحلتين، واحدة طلب فيها ماو من عصابات الحرس الأحمر هذه الانقضاض على بيروقراطية الحزب الشيوعي، وثانية طلب فيها من الجيش قمع عصابات الحرس الأحمر بلا هوادة!

ربما كان النموذج الأقرب للثنائية الإيرانية بين حرس ثوري وجيش نظامي، هو النموذج الألماني بعد وصول أدولف هتلر الى السلطة، حيث كان هناك الجيش النظامي، فيرماخت، وكانت في مقابله الوحدات الوقائية شوتزشتافل «إس إس».

ومع كل ما فرّخته هذه المؤسسة الأمنية والعسكرية الموازية للجيش النظامي، من فيالق تابعة لها، خاصة إبان الحرب العالمية الثانية، إلا أنها لم تنتزع الإمرة في أي وقت، وبقيت الحرب مخاضة بشكل أساسي من قيادة الجيش النظامي.

وليست هذه حال إيران. في إيران الحرس أقوى من الملالي، الا ذاك الذي يقود الحرس، الولي الفقيه المسنّ للحرس الشاب، وأقوى من الجيش النظامي، وأقوى من مؤسسات الدولة.
يقود الباسدران إمبراطورية شبكية عابرة للحدود.

شبكة من الفصائل والتشكيلات الدعوية والتعبوية والمسلّحة تجد نموذجها الأمضى في الباسدران داخل إيران، وفي النموذج التطبيقي الأنجح خارج إيران، أي «حزب الله» اللبناني.

ويحصل تنوّع غير قليل داخل هذه الشبكة المتشعبة، انما ذات مربط الخيل في السلك الحرسي في آخر الأمر. كمثل جماعة «أنصار الله» الحوثية غير المنتمية إلى التشيع الإماميّ ولو سعت للتأصيل زيديّاً لأقصى نقطة ممكنة من الإقتراب منه وللابتعاد عن عملية تسنين الزيدية التي قام بها الامام الشوكاني في القرن الثامن عشر. هذا، ناهيك عن السمة الأكثر تخليطاً للفصائل الفلسطينية المقرّبة من إيران، والمتحدرة من شجرة الأخوان المسلمين.

وعراقياً، هناك فصائل تدخل في الشبكة الإمبراطورية للباسدران بشكل كامل، وهناك فصائل part-time.
كل ذلك في إطار شبكة من الفصائل الموازية لجيوش الدول القائمة. إنما، ليس ثمّة في المقابل إمبراطورية إيرانية تجمع كل هذه الشعوب المعنية في هذا المدى تحت لوائها.

فالإمبراطورية الشبكية الأمنية «برزخية» بامتياز. ما بين معادلات الأمن ومعادلات السماء، انما بالتنصل من معادلات العمران. وما بين إمبراطورية الحرس القائمة على أرض الواقع، وبين الإمبراطورية الجامعة لشعوب المنطقة، القائمة في السراب، وفي أخذ المجاز على الحرف، ثمة بون شاسع، بل فارق مطلق.

تتغذّى إمبراطورية الحرس من تصدّع كيانات ومجتمعات الشرق العربي، وتسرح وتمرح في هذه الأبنية الآيلة للسقوط، والتي لا يبدو انهيارها التام سريعاً في ذات الوقت.

تنمو على خلفية التفاوت بين الطابع الإمبراطوري للدولة الأمة الإيرانية متعددة القوميات والمتنوعة الأقاليم، وبين النكوص المزدوج لنماذج «الدولة القطرية» في المشرق العربي، التي بعد أن فشلت وحدوياً على الصعيد العربي القوميّ عادت و«اكتشفت» أنها كانت، بهذه الوحدوية، تكابر على عوامل تفسّخها الداخلي، وعدم قدرتها على بناء التوازن وانجاح التأليف بين الاختلاف بين مكوناتها من جهة، وبين توطيد المشترك الوطني بين هذه المكونات بشكل مقنع وصلب من جهة ثانية.

الأبواب المخلّعة لبلدان المنطقة سمحت بتمدّد النفوذ الإيراني، لكنها لم تسمح له، ولا مفاتيح السياسة الدولية في وارد أن تسمح له، ببناء «نسق» من أي نوع، بين شعوب المنطقة، تحت قيادة إيران. بصرف النظر عن كيفية تفاعل نسق كهذا مع هيمنة شعب على بقية الشعوب، أو مذهب على بقية المذاهب.

النسق الإمبراطوري الإيراني الفعليّ ممتنع، بل هو الآن مستحيل، فيما اللانسق الإمبراطوري للحرس الثوري الإيراني سائب، لا بل ليس هناك حتى الساعة من يعرف كيف يعيده إلى الخلف.
أكثر من هذا، «انفلاش» امبراطورية اللانسق الحرسي الثوري الإيراني هي التي تجعل أي مدماك لإمبراطورية شاهنشاهية توحّد شعوب المنطقة بأي شكل كان، أمراً ممتنعاً.

لكن اللانسق الحرسي لا يختزل في تطبيق سياسات تفيد العقل «القومي الفارسي» كما يشيّع أخصامه المحتقنين منه عروبياً أو سنّوياً في المنطقة.

بل هي شبكة من التشكيلات عندما تنظر لها من زاوية وطنية إيرانية صرف ستجدها في خدمة الصحوية الفصائلية العربية بالدرجة الأولى. وعندما ستنظر لها من زوايا مجتمعية عربية ستجدها في خدمة الإيرانيين بالدرجة الأولى.

لا يجعلها مع ذلك قادرة بالفعل على أن تكون فوق الانقسامات القومية الإثنية، العربية الإيرانية بالدرجة الأولى، او الانقسامات المذهبية. كما أن المشكلة الأساسية لهذه الشبكة اللانسقية ذات الشأو الإمبراطوري أنها تعرف كيف تتمدد، ولا تعرف أن تتراجع.

وهذا بحد ذاته، على سبيل التوقف، عامل تقويضي لكل استعدادية إنعاشية للصفقة التي أبرمها باراك أوباما مع الجمهورية الإسلامية. تتقن الشبكة اللانسقية التي يقودها الحرس الثوري كل فنون البراغماتية الأمنية والقتالية، بما في ذلك التنبه من المصائد التي تحاك لها، وعدم الانقياد وراء الانفعالات، وتفضيل حروب المواقع على حروب الجبهات، وكثيراً ما تكون محظوظة بشطط الظواهر المعادية لها في المنطقة.

وهذه ظواهر تواجه ما هو غير موجود: الامبراطورية الإيرانية. او تستغيث بما ليس مقدرا له ان ينوجد مجددا: الامبراطورية الأموية حيناً، والعثمانية حيناً آخر. أو تحسب ان سياسات التدخل الغربية في المنطقة غب الطلب، ولا تعاني من تراجع نسبي على المدى الأطول من قدرة الغرب التدخلية (هذا في مقابل استمرار هيمنته على الصعيد الكوكبي)

فنحن نتخيل الاسكندر المقدوني، أو هرقل الروم، أو عمر ابن الخطاب، أو سليم الأول، وهم ينتصرون على امبراطورية داريوس وكسرى وإسماعيل الصفوي. لكن في واقع الحال، تلك الإمبراطوريات «الفارسية» عبر التاريخ مختلفة كلها عن النموذج الحالي.

حالياً ليس هناك امبراطورية إيرانية كنسق جامع بين شعوب المنطقة، ولو بشكل تراتبي فيما بين هذه الشعوب، كما يحصل في الامبراطوريات.

بل هناك امبراطورية اللانسق، التي هي عامل إضافي في امتناع تبلور أي نسق جامع بين شعوب المنطقة من أي نوع.

ليتها كانت امبراطورية إيرانية. أو امبراطورية من اي نوع قادر على اقامة نسق جامع بين شعوب المنطقة التي يبدو ان الدولة الامة لم تفلح فيها.

لكن امبراطورية الحرس ليست من هذا النوع. هي امبراطورية اللانسق المعتاش على تصدّع الدول الفاشلة عندنا. وهي تعمّق التصدّع وليس في مستطاعها تجاوزه بأي شكل.

* وسام سعادة كاتب لبناني

المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

شينكر يتوقع سقوط بلد عربي جديد بيد إيران

قد يعجبك ايضا