الأردن: «كتلة حرجة» تتشكل لـ«معارضة جديدة»… من المتهم الرئيسي بـ«التحريك»؟

«لماذا لا تدعم الطبقة السياسية المحسوبة على الصف الرسمي الرؤية الجديدة»؟

شريحتان أساسيتان في التموقع المضاد لتعديلات الدستور تتصدران مشهد النسخة الجديدة من المعارضة في الحالة الأردنية.

قوى كلاسيكية بالمجتمع احترفت المعارضة أو المناكفة ليست اليوم وراء الحالة الشعبوية التي تشكك بتعديلات الدستور الأخيرة وأهدافها.

المعارضون لتعديلات الدستور يمثلون شرائح ضد التيار الإسلامي وقوى اليسار والتيار المدني وبقوا أكثر من عقدين في أقرب مسافة ممكنة من خطاب الدولة ومواقفها.

بواكير الأزمة الجوهرية تتمثل بأن الأردني لم يعد يرى نفسه في حلقة تقرير الأمور مرحليا وذلك مستجد حقيقي فالاعتراض على هندسة المستقبل يأتي من أوساط تساند الخيارات الرسمية دائما.

* * *

بقلم: بسام البدارين

لا يمكن ممارسة العادة القديمة في تحميل الإخوان المسلمين أو المعارضة في الخارج أو غيرهم من معارضي الداخل، مسؤولية زيادة رقعة الاحتجاج داخلياً على النسخة الأخيرة من التعديلات الدستورية الأردنية، التي يزيد الاعتقاد بأنها مرسومة على بيكار أجندة إقليمية سياسية دون أن تنفي السلطات بعد – بطبيعة الأمر– ذلك.
الإخوان المسلمون قبل ودون غيرهم من قوى المعارضة الداخلية، توقفوا عند حد إصدار بيان واحد ولا يشاركون بصفة تنظيمية في حراكات المناطق والمحافظات أو لقاءات أبناء العشائر التي تعلن مسبقاً معارضة تعديلات الدستور، وبالتالي من الصعب توجيه الاتهام لأبرز مجموعة معارضة وطنية داخلية بعنوان التحريض والتحفيز.
ومن الصعب طبعاً بالمقابل، تفهم أي تهمة يمكن أن توجه من داخل السلطة أو خارجها إلى الحركة الإسلامية تحت عنوان مسؤولية التصعيد ضد تعديلات دستورية لم تشرح أصلاً للجمهور، وحظيت بصفة الاستعجال طوال الوقت، وقررها برلمان شرعيته في التمثيل توقفت عند نسبة 29 % فقط من الأردنيين الذين يحق لهم الانتخاب.
وطبعاً، من الصعب أيضاً استخدام التقنيات المعلبة القديمة في توجيه اتهامات للمعارضين أو غيرهم من المواطنين الساخطين اليوم لعدة أسباب، مثل وجود مندسين أو أصحاب أجندات، ومثل وجود قوى حزبية تتمول أو توجه من الخارج، فأحزاب اليسار المحلية التي كانت تتهم بالتربيط مع جبهات خارج المملكة في حضن الدولة اليوم تماماً عندما يتعلق الأمر بتعديلات الدستورية الأخيرة أو ببقايا وتداعيات ملف تحديث المنظومة السياسية.
وتيارات الدولة المدنية التي طالما نهشها وهاجمها واتهمها أردنيون بالجملة من الصف الرسمي ومن خارجه، شريكة أساسية اليوم في طهي المادة الدسمة المثيرة للجدل، بدلالة محاولات رسمية خلف الكواليس عندما يتعلق الأمر بتصنيع بعض الأحزاب لتوفير جرعات تغذية وتسمين خاصة، تحقن في جسد رموز وكوادر وشباب ما يسمى بالتيار المدني.
في كل حال، القصد من هذا الاستعراض هو التأشير على أن القوى الكلاسيكية في المجتمع التي احترفت المعارضة أو المناكفة ليست هي التي تقف اليوم وراء الحالة الشعبوية التي تشكك بالتعديلات الدستورية الأخيرة وأهدافها.
بالعكس، من يفعل في بانوراما واضحة لأوساط القرار الرسمي يمثلون شرائح كانت دوماً ضد التيار الإسلامي وضد قوى اليسار والتيارات المدنية، وبقيت لأكثر من عقدين في أقرب مسافة ممكنة من خطاب الدولة وموقفها من كل الملفات.
ذلك جديد تماماً، وينبغي أن تقرأه الدولة اليوم بعمق، كما يقترح الأمين العام لحزب جبهة العمل الإسلامي الشيخ مراد العضايلة.
شريحتان ضد..
طبيعة وتركيبة القوى التي تناهض تعديلات الدستور الأخيرة في الأردن اليوم توحي بتشكل معارضة من صنف مختلف هذه المرة، إذا لم تحصل استدراكات وتخاطب بتعقل قد تنجح فيما يسميه الخبراء بإنشاء الكتلة الحرجة في المجتمع، التي تؤمن بالاستعصاء لا بل تتمرد على خيارات المرحلة وتحظى في الوقت نفسه بحاضنة اجتماعية لوحظ مبكراً بأن ملف تحديث المنظومة السياسية لم يحظ بها. ولاحظ مبكراً خبير من وزن الدكتور محمد الحلايقة بأن ذلك كان خطاً فادحاً في التقدير والترتيب.
شريحتان أساسيتان في التموقع المضاد لخيار تعديلات الدستور تتصدران مشهد النسخة الجديدة من المعارضة في الحالة الأردنية.
الشريحة الأولى تحاول ارتداء ثوب المناطق والمحافظات والعشائر ضمن محاولات التشكيل وتنظيم بؤر حراكية بسقف سياسي مرتفع، وهي شريحة يعلم الجميع بأنها كانت دوماً مساحة مسترخية تماماً بالنسبة للسلطة واتجاهاتها، لا بل مساحة حليفة جداً ضد بقية خيارات المعارضة في المشهد.
رموز عشائرية بالجملة تبرز اليوم في إطار رفع الصوت احتجاجاً.. حدث ذلك مع بعض أبناء قبيلة بني صخر ومع بعض نشطاء قبيلة بني حسن ومع ممثلي الحراك المزدوج بين أبناء مدينة السلط والحراكيين في قبيلة بني عباد.
وهو مؤهل للحصول في المفرق شرقي البلاد وفي الكرك جنوبيّها.
ذلك لا يعني إلا أن الحراك المضاد لـ”الخيارات الرسمية”، ومن ثم لحزمة التعديلات الدستورية، ينبثق ويتململ ويتقدم في الأطر الاجتماعية والقبلية أحياناً، والمناطقية التي تمثل رصيد الدولة والنظام منذ عقود، وهو أمر لا ينبغي الاستهانة به، خاصة أن المحلل الاستراتيجي الدكتور عامر السبايلة لاحظ، مبكراً، بواكير الأزمة الجوهرية، ولتي تمثلت في أن الأردني لم يعد يرى نفسه أو يرصدها في الحلقة التي تقرر الأمور مرحلياً.
ذلك مستجد حقيقي، فالاعتراض على ما سمي بهندسة المستقبل من الأوساط المساندة دوماً للخيارات الرسمية.
والشريحة الثانية الأكثر تأثيراً وتأشيراً على شريحة نخبوية في الاعتراض والاحتجاج، لكن بصوت مهني وقانوني هذه المرة، هي تلك التي تمثل نخبة لا يستهان بها من رؤساء الوزارات السابقين ومن أصحاب الألقاب الرسمية الذين أعلنوا مواقف إما معترضة أو متحفظة أو تطرح أسئلة حرجة زادت حيرة الجمهور ورفعت منسوب الاحتقان العام.
ليس سراً اليوم أن قائمة هؤلاء تنمو وتتمدد. وليس سراً أن بينهم شخصيات مثل عبد الكريم الكباريتي وعبد الرؤوف الروابدة، وجزئياً طاهر المصري، ونخبة أعرض من الشخصيات المخضرمة تمترست بالتحفظ المعترض أو الاعتراضي من وزن الدكتور ممدوح العبادي، ونخبة وزراء وسفراء سابقين بينهم طاهر العدوان وصبري اربيحات وموسى بريزات، وآخرون غيرهم.
موقف معاكس
طبعاً، يزيد عدد المسؤولين السابقين الذين يعلنون موقفاً معاكساً للموقف الرسمي المعلن على الأقل، فيما لا يوجد عدد يمكن رصده فعلاً لرموز في العمل السياسي أو حتى البيروقراطي من النوع الذي يتشجع علناً على ترديد سردية الحكومة أو الدفاع عنها.
بوضوح، يختبئ– باستثناء قلة قليلة– الرسميون الذين يساندون التعديلات الدستورية، فيما ينشط وبسقف مرتفع نظراؤهم الذين يعارضونها في مفارقة تتجدد الآن، وسمعنا مرتين على الأقل تحت عنوان سؤال استفهامي يتحول الى استنكاري أحياناً: «لماذا لا تدعم الطبقة السياسية المحسوبة على الصف الرسمي الرؤية الجديدة»؟
طرح السؤال شخصيتان من وزن رئيس مجلس الأعيان فيصل الفايز، ونائبه رئيس اللجنة الملكية سمير الرفاعي. لكن لا جواب حتى اللحظة. والأمر الواضح الذي من الصعب إنكاره اليوم، هو أن الشرائح الحليفة للدولة هي التي ترفع الصوت وسقف الكلام، وأحياناً الهتاف تشكيكاً بتداعيات مرحلة تحديث المنظومة، فيما لا يفعل ذلك المعارضون المعروفون، عادة.

* بسام البدارين كاتب صحفي وإعلامي أردني
المصدر| القدس العربي

موضوعات تهمك:

الأردن وحكومة المفاجآت

قد يعجبك ايضا