الأردن في 2022: اجتراح أفق سياسي اقتصادي

ليس مؤكّدا ألا تحدث أخطار واهتزازات على وقع ارتفاع معدلات البطالة بصورة قياسية.

تيارات فاعلة وقوية في المشهد السياسي تعاملت بسلبية شديدة مع مشروعٍ يفترض أن ينقل الحياة السياسية في الأردن.

اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية ومخرجاتها بدت جزيرة معزولة بالمشهد السياسي وأصبح مشروع الإصلاح الذي قدّمته تحت القصف والهجوم.

المناخ السياسي في البلاد يبدو بحالةٍ مقلقة من الاستقطاب والتفكّك، ما انعكس على موقف تيارات عديدة فاعلة في البلاد من مخرجات اللجنة الملكية نفسها.

طالما أنّ المشروع يخدم الإصلاح السياسي بحده الأدنى وأنّ غالبية القوى السياسية شاركت في صياغته فلماذا الهجوم الشرس؟ ولماذا لا يتم الدفاع عنه بل تبنّيه من قوى وتيارات الإصلاح؟

* * *

بقلم: محمد أبومازن

أسدل عام 2021 فصوله في الأردن على مشاجرةٍ عنيفة بين النواب، على خلفية التعديلات الدستورية. والطريف أنّ النقاش لم يتجاوز إضافة مصطلح “الأردنيّات” إلى أحد عناوين الفصول، وهي الإضافة التي وقفت وراءها لجنة المرأة في اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية، للفت الانتباه إلى قضايا المرأة.
إلّا أنّها أثارت جدلاً غريباً وصل إلى قبة البرلمان ووتّر الأجواء، وانتهى باللكمات والشتائم، قبل أن يعود البرلمان نفسه ليناقش التعديلات الدستورية في بداية العام ويقرّ المادة المذكورة!
وإذا كان النواب بدأوا في مناقشة مخرجات اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية (المتعلقة بتطوير التشريعات السياسية؛ من تعديلات دستورية وقانوني الانتخاب والأحزاب)، فإنّ المناخ السياسي في البلاد يبدو في حالةٍ مقلقة من الاستقطاب والتفكّك، ما انعكس على موقف تيارات عديدة فاعلة في البلاد من مخرجات اللجنة الملكية نفسها.
فلو وقفنا فقط على إضافة بند الأردنيّات إلى الدستور، فإنّ الإخوان المسلمين اعتبروا أن هذا البند يهدف إلى تغيير الهوية الدينية للبلاد، فهاجموا التعديل، بل وعقدوا مؤتمراً وطنياً لحماية الهوية الدينية، ولم يتردّد أحد النواب “الإخوان” في المجلس، ينال فريحات، في التحذير من “مؤامرة” على هوية البلاد، ومحاولة تطبيق اتفاقية سيداو، عبر بوابة التعديلات الدستورية التي أوصت بها اللجنة الملكية.
الأكثر طرافة مما سبق أنّ التيار اليميني الأردني، والمحافظين عموماً، رفضوا أيضاً التعديل (إضافة الأردنيّات) بالذريعة التقليدية أنّ ذلك جزء من “مؤامرة التجنيس” والوطن البديل، واعتبروا أنّ التعديلات بمثابة “هجمة شرسة” على الدستور، ورفضوا في بيان لهم مخرجات اللجنة الملكية وإضافة مصطلح “الأردنيات” إلى الدستور”.
حتى لو أقرّ مجلس النواب التعديلات المطلوبة ومخرجات اللجنة الملكية، فإنّ المؤشّر المقلق أنّ تيارات فاعلة وقوية في المشهد السياسي تعاملت بسلبية شديدة مع مشروعٍ يفترض أن ينقل الحياة السياسية في الأردن، ويقفز بها إلى الأمام خطوات واسعة، فالإسلاميون الذين شاركوا في اللجنة لم يظهروا متحمّسين لمخرجاتها، وإن أقرّوا أغلبها، بل الصوت المرتفع منهم ظهر فقط في قضية مزاعم الخوف على هوية البلاد.
والأنكى أن يقول أحد نوابهم الشباب إن كل ما يحدث في المجال السياسي لا يعنيه، بل فقط هذه المادة وموضوع الهوية! والتياران اليميني والمحافظ (ونفرّق بينهما؛ لأنّ التيار اليميني أكثر وضوحاً وشراسة في مهاجمة الإصلاحات وفي تبنّي ثيمة الهوية الأردنية، وفي انتقاد المواقف السياسية للدولة، بينما التيار المحافظ يشكّك في الإصلاح ويرفضه، لكنّه يمتزج بمؤسسات الدولة، ولا يتحدّث بلغة واضحة صارخة في موضوع الهوية)، وكلاهما يريان أنّ المخرجات بمثابة جزءٍ من المؤامرة على الهوية الوطنية الأردنية.
لا يقف حلف “مناهضة مخرجات اللجنة الملكية” على التيارات السابقة، فقد انضمت إليهم نخبةٌ من الحرس القديم في مؤسسات الدولة، بخاصة في مجلس الأعيان، وهي سابقة تاريخية، إذ أخذوا يسرّبون مواقف تعارض المخرجات، وكانت المفاجأة أن تنضم لهذا التحالف شخصية ليبرالية من طراز رفيع، طاهر المصري، ويدّعي أنّ مصطلح الهوية الأردنية الجامعة يستبطن أهدافاً خطيرة، ولم يخرُج اليساريون والقوميون، عموماً، عن خندق التشكيك والتحفّظ والتقليل من شأن مخرجات اللجنة!
ورغم أن تشكيلة اللجنة ضمّت ممثلين عن أغلب التيارات والاتجاهات والقوى السياسية والمجتمعية، ضمن مشهد انشطاري واضح (بمعنى يتميز بالانقسام والاستقطاب) إلّا أنّ اللجنة ومخرجاتها بدت كجزيرة معزولة في المشهد السياسي، وأصبح مشروع الإصلاح الذي قدّموه في موقع القصف والهجوم والتشكيك والتخوين في أحيان كثيرة، ما دفع الوزير السابق، سميح المعايطة، إلى إطلاق جرس تحذير شديد في مقالةٍ بعنوان “انتبهوا المشروع يضيع”!
مع ذلك، لا يزال المجتمع المدني بصورة عامة وأوساط الشباب الفاعلين فيه مع النساء ونخب إصلاحية يتمسّكون بمخرجات اللجنة، ويؤكدون على أنّها تمثل مفتاحاً مهماً للمستقبل، كما أنّ هنالك موقفاً حاسماً يبديه الملك بضرورة العبور إلى المرحلة الجديدة وتحفيز ترجمة المخرجات على أرض الواقع وتطوير الحياة السياسية، بالرغم من المشاغبات الكبيرة الواضحة من مختلف القوى والتيارات السياسية.
السؤال المهم؛ طالما أنّ المشروع يخدم الإصلاح السياسي بالحدّ الأدنى، وطالما أنّ غالبية القوى السياسية شاركت في صياغته، فلماذا هذا الهجوم الشرس؟ ولماذا لا يتم الدفاع عنه بل تبنّيه من القوى والتيارات الإصلاحية؟
الجواب على ذلك مركّب، ومرتبط بأجندة القوى والأحزاب المختلفة من جهة (فمثلاً الإسلاميون لا يتوافقون مع أجندة لجان المرأة، وهم بعكس الإسلاميين في المغرب العربي أقرب إلى المزاج المتشدّد في الفتوى الفقهية. أما التيار اليميني فهو يأخذ موقفاً متحفظاً من أي تغييراتٍ على قانون الانتخاب والأحزاب، بدعوى أنّه يُراد إحلالها مكان العشائر!
المحافظون والحرس القديم في الأصل ضد أي عملية إصلاحية). وبسبب فجوة الثقة المتنامية الكبيرة بين مؤسّسات الدولة والشارع من جهةٍ أخرى، ولأنّ هنالك ضعفا في تبنّي مخرجات اللجنة وفي الآلة الإعلامية لشرحها وفي تقديمها للشارع، وتلكؤا من الحكومة في حملها بصورة فاعلة، ومن النخب السياسية التقليدية في تأييدها، كل ذلك انعكس على الشارع الذي سادت في أوساطه الروايات المشكّكة والمتخوّفة وغير المبالية بهذه المخرجات التي تشكّل مشروعاً لتطوير الحياة السياسية، وأخطر من ذلك كله أنّنا نحصد ما زرعته السياسات الرسمية خلال عقود من هوياتٍ فرعيةٍ وحقوقٍ مكتسبةٍ وشكوكٍ داخليةٍ في المجتمع نفسه!
يقتضي الدخول إلى عام 2022 على وقع المشروع السياسي الجديد مراجعة ما حدث، وتغيير المقاربة في تقديمه وشرحه للمجتمع ومواجهة الروايات الأخرى (بخاصة المسكونة بنظرية المؤامرة)، والتأكيد على هدف المشروع بصورة عامة، ليعلو ذلك على الخلاف على تفصيلاتٍ جزئيةٍ أو خلافاتٍ فكريةٍ وسياسيةٍ طبيعيةٍ في أي مجتمع، كان يفترض أن يكون ما تمّ إنجازه من توافقات فوقها جميعاً.
في الأثناء، لا تزال تتصاعد مخاوف مشروعة وكبيرة من الأوضاع الاقتصادية. والأخطر أنّنا ونحن ننتظر عقداً تتم فيه تهيئة البيئة السياسية والحزبية والبرلمانية لولادة حكومات حزبية برامجية، فليس مؤكّدا ألا تحدث أخطار واهتزازات على وقع ارتفاع معدلات البطالة بصورة قياسية، والأزمات التي تتعرّض لها الطبقة الوسطى وارتفاع الأسعار، ما يولّد ضغوطاً شديدة على شرائح اجتماعية واسعة، بخاصة في المحافظات التي ينتعش فيها اليوم خطابٌ معارضٌ حادّ، وتمثّل الفئة المستهدفة للتيارات المشكّكة التي تُحدثها عن بيع مقدرات البلاد والخوف على الهوية الوطنية وتعزّز هواجسها، وتؤجّج حالة الإحباط والغضب في أوساط الشباب فيها.
ملخص الموضوع أنّ الأردن يدخل إلى العام الجديد وهو يحمل على كتفه تحدّيات ثقيلة وهواجس حقيقية، ما يستدعي العمل فوراً على بناء (وصياغة) أفق سياسي – اقتصادي جديد، ومواجهة الخطابات والروايات المضادّة وتقديم سردية مغايرة تماماً، لأنّ أسوأ ما في هذه الأجواء حالة الإحباط والشعور بفقدان الأفق وفقدان أية محاولة رسمية لبناء نافذة متفائلة نحو المستقبل!

* د. محمد أبورمان باحث في الفكر الإسلامي والإصلاح السياسي، وزير أردني سابق.

المصدر| العربي الجديد

موضوعات تهمك:

ما وراء معركة البرلمان الأردني!

قد يعجبك ايضا